|
علماء مسلمون يختلفون حول الإجازة للتلقيح الصناعي
القاهرة: محمد خليل
ظهرت في الاونة الاخيرة عدد من القضايا المستجدة التي احتدم حولها الجدل الفقهي والعلمي مثل قضايا نقل وزراعة الاعضاء والاجهاض والتلقيح الصناعي وغيرها من القضايا التي طرحت في افق الفكر الاسلامي حديثا والتي تتطلب تحديث الفكر الاسلامي وفق اصوله القديمة الثابتة والمستمرة، وان يستمد فقهاؤنا من هذه الاصول افكارا جديدة لكي يعرضوا الاسلام عرضا يتجاوب مع مشكلات العصر في القضايا الفقهية الحديثة فقد جددت فتوى اصدرها الدكتور عبد المعطي بيومي عميد كلية اصول الدين في جامعة الازهر وعضو مجمع البحوث الاسلامية جدلا فقهيا وطبيا والتي اجاز فيها زرع التلقيحة «البويضة الملقحة» المأخوذة من زوج وزوجة في رحم امرأة اخرى «الأم البديلة» ونصت الفتوى على ان تكون أم هذا الجنين هي الأم الاصلية وتكون الأم التي نشأ في رحمها هذا الجنين أما بديلة لا تزيد عن كونها اما من الرضاعة.
وقال الدكتور بيومي في فتواه انه اذا كان الاسلام قد اباح الرضاعة لان الجنين لن يزيد غذاؤه وهو في رحم الأم البديلة عن تغذية الطفل في فترة الرضاعة فالرضاعة تنبت اللحم وتنشذ العظم كما ان بقاء الجنين في رحم الام البديلة ينبت اللحم وينشذ العظم ولا ينقل الرحم أية صفة وراثية فلا تختلط الانساب ولا تشتبك أو تضطرب وإنما تكون علاقة الأم البديلة كعلاقة الام من الرضاع، ويحرم بهذه العملية ما يحرم من الرضاع وما يحرم من النسب.
وفي تعليقه على هذه الفتوى، قال الدكتور عبد الرحمن العدوي رئيس لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الاسلامية في الازهر ان هناك كثيراً من هذه القضايا المستجدة التي لم يحسم حولها الجدل خاصة القضايا الطبية والتي نرى أن رأي الطب هو الفيصل في هذه القضية ولا نقول رأينا كفقهاء الا بعد معرفة رأي الاطباء المسلمين الثقات في مثل هذه القضايا لانها جد خطيرة. واضاف ان الامر يتوقف عما اذا كان هل وظيفة الرحم مجرد تغذية من غير ان يتأثر الجنين بجينات الام وهل الرحم مؤثر في الجنين وراثيا أم لا؟ وهل هو مثل الوعاء الزجاجي الذي يوضع به الاطفال المبتسرين؟
وتابع الدكتور العدوي قوله ان الفكر الاسلامي وضع قواعد كلية فقهية يمكن على ضوئها وضع الاحكام لما يستجد من قضايا حديثة.
وقال الدكتور شوقي عبده الساهي استاذ الدراسات الاسلامية والفقه بكلية الشريعة والقانون في جامعة الازهر ان هذا التلقيح الذي يتم عن طريق ادخال مني غير الزوج في فرج امرأة اخرى غير زوجته يتعارض مع مبادىء الاسرة الشرعية ونظامها الخاص بالبنوة فضلا عن انه يعتبر عملا غير اخلاقي وغير انساني، ولذا فلا يمكن اباحة هذا النوع من التلقيح حتى ولو كان يهدف الى تحقيق غرض علاجي، وكل اتفاق على مثل هذا النوع من التلقيح يعتبر باطلا بطلانا مطلقا لانه رضاء على باطل هذا بالاضافة الى ان هذا النوع من التلقيح له نتائج واثار نفسية سيئة وخطيرة بالنسبة للزوج والزوجة والطفل على السواء. ويؤكد الدكتور محمد كمال استاذ الشريعة الاسلامية في جامعة الاسكندرية ان الافتاء في مثل هذه القضايا يحتاج الى اجتهاد جماعي لان مثل هذه القضايا شائكة ولا تتوقف على رأي فرد وانما رأي الطب والفقه معا، واضاف انه لا يجوز تلقيح بويضة امرأة من غير زوجها أو ما يطلق عليه استئجار الارحام لان الولادة كأثر من آثار عقد الزواج لا تكون الا بين رجل وامرأة بينهما روابط الزوجية، والذين اجازوا ذلك من الفقهاء المعاصرين اشترطوا ان تكون المرأة الاخرى زوجة لذات الرجل فهو زوج للاثنتين، ومع ذلك فالرأي الاقرب لقواعد الشريعة هو عدم جواز استخدام رحم امرأة لتلد بديلا عن امرأة اخرى لان التنازع في النسب سوف يكون تنازعا حقيقيا فالحمل ليس مجرد حيوان منوي وبويضة وإنما لتعبير القرآن «حملته وهنا على وهن» فالام التي تفرز البويضة وتحمل وتعاني متاعب الحمل والولادة. واضاف ان الاصل في الابضاع «أي ما يتعلق بالاعضاء التناسلية للمرأة» التحريم وليس الحل وابيحت استثناء بعقد الزواج فلا يجوز استئجارها لأي امر من الامور وبالتالي لا سبيل الى الانجاب الا من خلال الام صاحبة البويضة. فالذين اباحوا اشترطوا ان تكون المرأة البديلة هي والام الاصلية زوجتين لرجل واحد ولا يجوز القياس في هذه القضية اطلاقا فحرم الرضاع ما حرم النسب بالنص ولذلك بعض الفقهاء يتوقفون عند النص ذاته.
ويرى الشيخ يوسف البدري عضو المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية في القاهرة ان وضع النطفة في رحم غير رحم المرأة من زوجها يعد محرما شرعا، مشيرا الى ان الفقهاء قد أبوا ان تحتفظ المرأة بنطفة زوجها المتوفي لتضعها في رحمها لاجل الانجاب وقالوا انه محرم شرعا لان علاقة الزوجية قد انقطعت بالوفاة وبالتالي حرموا تلقيح المرأة بمني رجل اجنبي. ويتابع الشيخ البدري قوله ان اخذ نطفة من رجل اجنبي مع بويضة امرأة، حيث يتكون جنينا ثم وضعها في رحم امرأة اجنبية فإنه نوع من انواع الزنا غير المباشر «الحرام» المأخوذ من نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم «ان الله حرم على احدكم ان يسقي ماءه زرع غيره». وقال متسائلا اذا كان الاسلام قد حرم على من زنا بامرأة وظهر حملها ان يعقد عليها فضلا عن أن يباشرها الى ان تضع فكيف يسمح بأخذ نطفة أو علقة أو مضغة ووضعها في رحم امرأة لا تمت بصلة الى ذلك الرجل في الوقت الذي حرم فيه اخذ نطفة زوجها المتوفي؟
واضاف ان القول بأن الرحم مجرد حاضنا فقط فهذا الكلام لا ينطبق على البشر لان دخول نطفة الرجل سواء كان مباشرة أو بغير مباشرة الى رحم امرأة لا يربط بينها وبينه عقد زواج صحيح يعد من باب المحرمات بموجب الحديث الشريف «ان الله حرم على احدكم ان يسقي ماءه زرع غيره». وقال الشيخ البدري ان الاسلام حرم استئجار الارحام وقياس ذلك على الرضاع مع الفارق لان النص حصر علاقة الطفل الاجنبي بالمرأة غير أمه في علاقة واحدة وهي الرضاع بالفم من لبنها سواء التقم الثدي أو سقي له لبنها. واضاف ان الاصل والفرع مختلفان لا يجتمعان وليس بينهما اية مشاركة ولو طبقنا قواعد الاستدلال والقياس ما انطبقت على قياس صاحب الفتوى فالحضانة في الرحم تختلف عن الرضاع بالفم واذا كان الرضاع بالفم يعطي الرضيع سمات الام ويصبح ابنا لها من الرضاع فما بالنا بالانسجة المتكونة داخل رحم الأم الحاضنة؟
ومن جانبه اكد الدكتور عبد العزيز فرج محمد موسى استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الازهر ان العلماء اباحوا التلقيح الصناعي ما بين الزوجين اذا ما توافرت العلاقة الزوجية لان الاسلام حينما حث على الزواج اشترط شروطا معينة منها ان يكون مني الرجل لا يوضع الا في محله المشروع واذا توفرت هذه الشروط والاركان لعقد الزواج اصبح هذا المني الذي يوضع في رحم امرأة يعد زنا لان الحكمة من الزواج قد انتفت لقوله تعالى «الذي خلق الزوجين الذكر والانثى» فانثى الزوجين هي التي تصلح لئن تكون وعاء شرعيا لانبات النسل، واضاف الدكتور عبد العزيز فرج انه مهما كانت الرغبات الدنيوية والحيل والمنافع المرجوة فليس لها اعتبار مع نواهي الشرع لان الشرع قد اعطى البدائل بأن يقترن الرجل بامرأة اخرى مثلا من أجل تحقيق الرغبة في الانجاب، فالله تعالى وحده هو الذي ينعم على الانسان بنعمة الاولاد «يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا واناثا ويجعل من يشاء عقيما».
وعن وجهة نظر الطب في هذه القضية، يقول الدكتور قطب احمد طلبة استاذ طب الاطفال بكلية الطب جامعة عين شمس ان الصفات الوراثية كلها تنتقل للطفل من الأم صاحبة البويضة ولكن الطفل ليس صفات وراثية فقط فتكوين جسمه كله ينتج من دم الام البديل وغذائها بالاضافة الى ضعفها الجسماني والنفسي وتحملها آلام الحمل والولادة، والامر هنا يختلف تماما عن الرضاعة لان الرضاعة تكون لطفل كامل بجسمه واعضائه فلا سبيل للمقارنة بينهما، واضاف الدكتور قطب احمد أن رحم الأم البديل ليس له اي مؤثرات وراثية على الطفل مثل نقل جنينات اليه لان كل الموروثات تنتقل اليه من الأم الاساسية صاحبة البويضة ولكن جسم الجنين كله واعضاءه الداخلية تتكون من الام البديلة. |
|