|
العلماء المسلمون يناقشون الحرب الشريرة
القاهرة، 9 ديسمبر، محمد شحرور، علماني يكتب عن الإسلام بشكل مكثف، ويجلس في مكتبه الهندسي في دمشق، بسوريا، ويقول إن المسلمين سيحررون دينهم من العنف الدموي الذي يرتكب باسمه، بترديد نصوصهم المقدسة فقط.
أولاً، يقوم السيد شحرور بالتصدي للقرآن بشكل متهور. ويقول إن السورة الثامنة برمتها، وهي سورة التوبة، تصف محاولة فاشلة للنبي محمد لإقامة دولة على شبه الجزيرة العربية. وهو لديه اعتقاد بأنه طالما أن هذه السورة هي مصدر أغلب الآيات التي تقر العنف، من قبيل "اقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم" فإنه يجب عزوها إلى سياقها الأصلي.
ويقول شحرور، وهو رجل سلس الكلام، ومهندس مدني يبلغ من العمر 65 عاماً وذو شعر رمادي خفيف "إن الدولة التي بناها ماتت ولكن رسالته لا تزال حية. ولذلك يجب علينا أن نفرق بين الدين وسياسة الدولة. فلو نظرت إلى الإسلام السياسي، لن تجد غير القتل، والاغتيال، والتسميم، والمكيدة، والمؤامرة، والحرب الأهلية، ولكن الإسلام كرسالة، فهو إنساني إلى حد كبير، ومعقول وعادل".
إن السيد شحرور وآخرين من أمثاله من المفكرين في العالمين العربي والإسلامي قد أثاروا ضجة عندما قدموا دعوتهم لإعادة تفسير النصوص المقدسة، وذلك بعد عقد لقاء في القاهرة تحت عنوان "الإسلام والإصلاح" في بداية خريف هذا العام.
لقد صاح أحد الأشخاص "كذابون! كذابون! كلكم صهيونيين كلكم كفرة" في مؤتمر صحفي كان يتخلله بعض العلماء المسلمين وآخرين من المتدينين المتشددين الذين تصايحوا على المتحدثين وهاجموهم لدرجة أن أي من الصحفيين لم يتمكن أن يطرح سؤالاً.
إن النقاش الداخلي الذي ظل يدور لمدة طويلة حول العنف السياسي في الثقافة الإسلامية آخذ في التضخم، وذلك من خلال بعض المحاضرات، كالتي أشرنا إليها، ومن خلال الأعمدة التي تنشرها الصحف، والتي تقوم بتجاوز الحدود المسموح بها وتقترح بأن المشكلة تكمن في طريقة تفسير الإسلام. ففي يوم السبت سينعقد مؤتمر كبير في المغرب، وسيحضره الوزير كولن باول، وسيقوم المؤتمر بالتركيز على زيادة الديمقراطية ومبادئ الحرية في العالم الإسلامي.
إن أحد طرفي النقاش في مجمله يتكون من المفكرين العلمانيين الذين يتخوفون من توسع الرقعة التي يحتلها المسلمين العاديين الذين يخافون من الصورة الدموية للإسلام حول العالم. لقد قررا إيجاد وسيلة لذلك.
ويواجه هؤلاء بعض المؤسسات الدينية القوية مثل جامعة الأزهر، وبعض رجال الدين البارزين وطبقة مختلفة من العلماء الذين يقولون أن الإسلام يتعرض للاعتداء من الغرب. ويقولون أن الوسيلة الوحيدة المتوفرة لدي الضحية المستضعفة، هي الدفاع عن النفس بجميع الوسائل الممكنة. وإن النقاش الذي يمكن سماعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا، ينبع أساساً من المذابح التي ترتكب في العراق. وسيل الصور الشيطانية التي تظهر الجنود الأمريكيين وهم يهاجمون المساجد وأهدافاً أخرى تشابه تلك التي يرتكبها أبو مصعب الزرقاوي من ذبح للأبرياء في أشرطة الفيديو، كما تقول الآية القرآنية "فأضربوا فوق الأعناق".
وعندما يهدأ الأذى الذي يرتكب في العراق، فإن بعض الحوادث مثل قتل ثلاثمائة شخص في إحدى المدارس بروسيا –نصفهم من الأطفال- أو بعض الهجمات الأخرى في هولندا، أو مصر أو تركيا أو إندونيسيا أو إسبانيا، والتي وصفها منفذوها بالجهاد، ستساعد في إشعال المناقشات في القنوات الفضائية والصحف وحول موائد العشاء لدى المسلمين العاديين.
وقال إبراهيم سيد، وهو عامل توصيل الفطائر في مدينة نصر وهي أحد أحياء القاهرة "إن المقاومة ليست بهذا الشكل، أن تختطف شخصاً ما ثم تقوم بذبحه أمام الملأ" واستمر قائلاً "هذا حرام"، ثم يستشهد بالقرآن "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ويعني هذا أنه لن يتغير شيئاً ما لم نقم نحن بتغيير أنفسنا أولاً.
كما أن عبد الرحمن الراشد، مدير شبكة العربية الفضائية التي مقرها في دبي، والصحفي السعودي المشهور، أثار سخطاً عاماً في خريف هذا العام عندما كتب في عمود له، أنه على المسلمين أن يواجهوا حقيقة أن أغلب الأعمال الإرهابية ينفذها مسلمون.
حيث قال "إن الخطر يأتي بشكل خاص من الأفكار التي تدعو إلى العنف باسم الدين." وأضاف "إنني أكثر اقتناعاً بأن هنالك مشكلة في الثقافة، الثقافة الحديثة للتيار الراديكالي، والتي يوجب على الناس أن يقبلوها. ودون أن نعترف بأن الحقيقة رقم واحد هي أن أغلب الإرهابيين مسلمين، فلن نتمكن من حلها."
ويشعر السيد راشد بأن هنالك حركة في العالم العربي، وإن لم تصل إلى حد الإجماع بعد، تدرك بأن على المسلمين أن يبدءوا بالاعتماد على أنفسهم بدلاً من الشكوى المستمرة من الظلم. ويقول، إن العنف لم يؤدي إلى تراجع التعاطف مع القضايا العادلة، مثل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وحسب، بل أدى إلى توليد الاستياء ضد المسلمين أينما كانوا.
وعلى الجانب الآخر هنالك عبد الصبور شاهين، وهو أستاذ اللغويات في جامعة القاهرة، وهو يقول يجب على العالم الإسلامي أن يدافع عن نفسه، وإن أغلب الأجانب في العراق يعتبرون أهدافاً مشروعة. وفي أحد أحياء الطبقة الوسطى الذي يمتد إلى الصحراء خلف الإهرامات، يستقبل الأستاذ الدكتور شاهين الزوار في مجمع لهُ بوابة صغيرة، وذو جدران بيضاء عالية، والذي يوجد به مسجده الذي يخطب فيه كل جمعة.
وقال شاهين "هنالك مجموعة كبيرة من الناس يرتدون ملابس مدنية ولكنهم يخدمون قوات الاحتلال. إذاً كيف يمكننا أن نطلب ممن يقاوم الاحتلال أن يسأل الشخص أولاً ما إذا كان مدنياً أم لا ؟"
وعندما سئل عن رأيه فيمن يقطعون الرؤوس، أجاب قائلاً "عندما يضرب الصاروخ منزلاً قتل ثلاثين أو أربعين شخصاً ويحيلهم إلى رماد. أليست هنالك حاجة إلى عقد مقارنة بين تصرف شخص يقع تحت الحصار ويشعر بالغضب تجاه من يديرون آليات الحرب ؟"
وهو يردد في تعليقاته نفس ما يقوله الشيخ يوسف القرضاوي، رجل الدين المصري الأصل الذي يعيش في قطر، والذي أصبح من خلال برنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة الفضائية من أكثر العلماء المسلمين السنة تأثيراً، وهي طائفة الأغلبية.
ففي أغسطس الماضي بدا القرضاوي وكأنه لمح إلى أنه يمكن استهداف جميع الأمريكيين في العراق. وعندما سئل عما إذا كان ذلك يشمل المدنيين، رد بالسؤال "وهل هنالك مدنيين في العراق". وبعد الضجيج الذي أثاره هذا الموضوع في المنطقة، أصدر القرضاوي توضيحاً قال فيه أنه كان يقصد الذين يحرضون على الاحتلال فقط، وأشار إلى أنه سبق وأن أدان عمليات الذبح.
ثم أنه في الشهر الماضي، وبعد تجدد الهجوم الأمريكي على الفلوجة، فإن الشيخ أصدر موافقته على كل من يقاوم الاحتلال.
حيث قال في التلفزيون "إن المقاومة أمر مشروع، بل هي واجب".
وبينما يقول القليل جداً من المسلمين بالحق في مقاومة الاحتلال العسكري، فإن المشكلة في أن هذه البيانات العنيفة التي تفسر بشكل سيء يتم استخدامها كتفويض لممارسة العنف، مهما كان وحشياً.
وقال جمال خاشقجي، وهو خبير في شئون الحركات الإسلامية "أنت تدين الذبح، ثم تقول في سؤال آخر كل من يؤيد الاحتلال يستحق القتال. ولذلك فالرسالة هنا ليست مفهومة".
وفي نوفمبر قام 26 من العلماء السعوديين البارزين بالتوقيع على بيان أيدوا فيه "جهاد الدفع" في العراق. بالرغم من أن بيانهم استبعد مهاجمة عمال الإغاثة أو الأطراف الأخرى التي لا صلة لها بالأمر، إلاّ أنه تفسر على أنه إشارة للسعوديين بالتطوع. حيث أن أسامة بن لادن وأتباعه خرجوا بعد دعوة مشابهة قبل 25 عاماً ليخوضوا الحرب في أفغانستان، وهو القتال الذي نشروه إلى جميع أنحاء الكرة الأرضية.
إن النقاش حول إعادة تفسير الإسلام سيظل منحصراً إلى حد كبير في أوساط نخبة من المفكرين، ولكن حتى مجرد إثارة الموضوع يؤدي إلى تآكل القدسية التي يتمتع بها الدين والمشتغلين به، بأنهم معصومون بطريقة أو بأخرى. ليست هنالك استطلاعات للرأي في هذا الموضوع، ولكن من خلال التحدث إلى الناس في الشوارع، تشعر بأن الناس يتجادلون فيما بينهم حول هذه الموضوعات في إطار فهمهم لدينهم.
كما أن البعض يرفض أي انتقاد في هذا الشأن ويشير فوراً إلى رئيس الوزراء شارون والرئيس بوش بأنهما المسئولان عن هذه المجزرة. كما أنهم بطبيعة الحال يذكرون إساءة معاملة السجناء في أبو غريب باعتبار أن ذلك يحتاج إلى ثأر.
ولكن البعض الآخر يظهر بعض الأفكار المستبطنة لديه.
إن أحد دلالات الخوف الشعبي في العالم العربي هو رد الفعل الصامت تجاه الهجوم الذي شن على الفلوجة الشهر الماضي بالمقارنة مع الهجوم الذي حدث قبل ستة أشهر. ويعود ذلك بشكل جزئي إلى الأعمال الوحشية التي قام بها المقاومون، بما في ذلك الهجمات الانتحارية التي راح ضحيتها الكثير من العراقيين.
ويقول الذين يؤيدون التغيير، إن التعاطف الشعبي الواسع الذي يتمتع به الذين يحاربون الجنود الأمريكيين والبريطانيين يجعل من الصعب إطلاق حملة ضد العنف والإرهاب.
ويقول الذين يؤيدون الجهاد أنه من الطبيعي بالنسبة للعراقيين والفلسطينيين أن يقاوموا، ويشيرون إلى ما يسمونه بالنفاق الأمريكي.
ويقوم الشيخ خليل الميس، مفتي منطقة زحلة والبقاع في لبنان بعقد مقارنة بين معاملة كل من الطاغيتين صدام حسين ومعمر القذافي، حيث أن لكليهما تاريخ طويل من إساءة معاملة المعارضين، ومساوئ أخرى. فإن أحد الرجلين لم يستسلم للغرب، بينما الآخر قام بإيقاف برامج الأسلحة غير التقليدية.
وقال الشيخ وهو يضع عمامته البيضاء حول رأسه قبل أن يذهب لإلقاء خطبة الجمعة "لقد اشترى القذافي سلامته، ولكن القذافي لا يزال كما هو. لماذا وضعوا صدام في السجن، وتركوا القذافي في السلطة ؟ لا يحق لأمريكا أن تتحدث عن المبادئ".
وعندما سئل عن الذين يقولون أن المشكلة تكمن في التفسير المتشدد للإسلام نفسه، تعجب الشيخ الميس من ذلك وقال "توكل على الله" ملخصاً بذلك وجهة نظر أغلب علماء المسلمين.
وقال، لا يمكنك أن تقسم الإسلام إلى أجزاء، بل يجب أن تقبله بشكل عام.
ويجيب الذين يدَّعون الإصلاح، ولكن علي عموم، رداً على ما أسماه أحد الكتاب السعوديين بأنه "فوضى الفتاوى". وإن من المصاعب الهامة التي يعاني منها المسلمين السنة، على عكس الطائفة الشيعية التي تهيمن على إيران أو الكنيسة الكاثوليكية، هو عدم وجود سلطة مركزية تصدر الأحكام النهائية على القضايا المذهبية.
وأما الذين يميلون إلى التحرر فيعتقدون بأن الإسلام الذي دخل الآن قرنه الخامس عشر، في حاجة لأن يخضع لعملية إعادة تقييم شاملة لمبادئه الأساسية. وسعياً لهذه الغاية، أوصى مؤتمر القاهرة الذي انعقد في خريف هذا العام بمراجعة جذور التراث الإسلامي، وخصوصاً الأحاديث النبوية، مُنهياً بذلك احتكار مؤسسات دينية بعينها لعملية تفسير هذه النصوص، ومواجهة جميع التيارات الدينية المتطرفة.
وقد اتهم هؤلاء المشاركين بقوة بأنهم يخوضون في ميدان يقتصر على رجال الدين، وقد وصفهم شيخ الأزهر، الشيخ محمد سيد طنطاوي، وهو من أكبر علماء الدين في مصر، بأنهم "مجموعة من المنبوذين".
ولكن السيد شحرور يقول أنه ومع العدد المتزايد من المفكرين لا يمكن تخويفهم بمعارضة رجال الدين.
ويصف بعض الأحاديث النبوية بأنها قديمة، تم جمعها في تسعة مجلدات ضخمة بعد حوالي مائة عام من وفاة النبي، والآن الكلمة الأخيرة حول كيفية عيش المؤمن.
"مثل ما يحدث الآن، لقد كان يقال للمسلمين عبر القرون الماضية، بأن الإسلام قد انتشر بالسيف، وإن أغلب الدول العربية وأسبانيا تمت السيطرة عليها بالسيف، ونحن فخورون بذلك. ففي عقلية الناس العاديين، والمارة في الشوارع، الإسلام هو دين السيف. هذه هي الثقافة السائدة، فيجب علينا تغييرها." |
|