|
الباب الاول المواجهة قبل الهجرة
الباب الاول
المواجهه قبل الهجرة
الفصل الاول
انتشار نبأ النبوة مع نبأ ولاية العهد والخلافة
خلال المرحلة السرية للدعوة، كثرت الاشاعات عن بشائر النبوه والرساله والكتاب، وكثر الاهتمام بشخصيه محمدبن عبداللّه واختلطت الامور على بطون قريش، وزاد فضولها للوقوف على حقيقه الرجل، وحقيقه الاشاعات التى تنشر من حوله بذلك الوقت، وبالذات تلقى النبى امرا الهيا باعلان دعوته، ويبدو جليا من التسلسل المنطقى للامور، ان النبى قد جمع الهاشميين فى بيته اولا، واطلعهم على حقيقه النبا العظيم،وانه -وبامر من ربه- عين فى هذا الاجتماع ولى عهده والامام من بعده وانتهى الاجتماع بقرار البيت الهاشمى بحمايه النبى وعدم تسليمه، واعلن هذا القرار (عميد البيت الهاشمى) عبد منافبن عبدالمطلب المكنى بابى طالب.
واجتماع الهاشميين فى بيت النبى لم يكن خافيا على بطون قريش المشبعه بالفضول للوقوف على حقيقه محمد، ومن الطبيعى ان وقائع الاجتماع، انتشرت وشاعت بعد سويعات من انفضاضه، وهكذا وقفت بطون قريش على حقيقه ومجمل النبا.
ويبدو ان الخطوه المنطقيه الثانيه تمثلت بصعود النبى على الصفا، ومناداته على بطون قريش وملاها الذين يجتمعون دائما حول الكعبه وقيامه باعلان نبا النبوه والرساله والكتاب امامهم.
ويذكر المورخون ان رسول اللّه واصحابه قد خرجوا فى صفين واخترقوا طرق مكه وسككها).
وهكذا احيط البطن الهاشمى خاصه بحقيقه النبا، وتم تعيين ولى العهد والخليفه من بعد النبى امام هذا البطن، واحيطت بطون قريش وسكان مكه عامه بحقيقه هذا النبا، ووقفوا على حقيقه الشائعات التى انتشرت طوال المرحله السريه من الدعوه والتى استمرت ثلاث سنين، واشرب الجميع نبا النبوه ونبا ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، وانتشر نبا ولايه العهد او الامام من بعد النبى مع نبا النبوه، ولكن لان بطون قريش متغطرسه، ولم تحمل الامر محمل الجد، ولان النبا العظيم(نبا النبوه) هو الاعظم فقد طغى على نبا ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، وقد وثقت ذلك فى الباب المتعلق بالقياده من بعد النبى توثيقا كاملا.
التدرج بتعميم وتثبيت ولايه العهد :
او الامامه من بعد النبى: التدرج بتعميم وترسيخ معالم الحكم الشرعى، صفه ملازمه لقواعد العقيده الاسلاميه، ويمكن ان تلحظ هذه الصفه فى الصلاه، وفى الانفاق، وفى الدعوه، وفى المنهج السياسى، وتحريم المالوفات كالخمر، وحتى فى طريقه نزول القرآن الكريم، وولايه العهد او الامامه من بعد النبى لازمتها صفه التدرج والتعميموالتثبيت المستمر، فقد اعلنت ولايه العهد او الامامه من بعد النبى فىالاجتماع الذى عقده النبى لبنى هاشم فى بيته، حيث اعلن فى هذا الاجتماع لاول مره ان علىبن ابى طالب هو ولى عهد النبى، وهو الامام او امير الجماعه المسلمه من بعد النبى.
وطوال مرحله الدعوه العلنيه فى مكه والتى استمرت عشر سنين والرسول يظهر مع ولى عهده معا، يسيران معا، ويصليان معا، فاذا روى الرسول روى معه ولى عهده والامام من بعده، وكانا يسكنان معا فى بيت واحد.
ولى العهد المعين يصف علاقته بالنبى فى تلك المرحله:
قال الامام على واصفا علاقته بالنبى فى تلك الفتره:(وضعنى فى حجره وانا وليد، يضمنى الى صدره، ويكنفنى فى فراشه، ويمسنى جسده، ويشمنى عرقه، وكان يمضغ الشىء ثم يلقمنيه، وما وجد لى كذبه فى قول، ولا خطله فى فعل.
وكنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علما، ويامرنى بالاقتداء به، ولقد كان يجاور فى كل سنه بحراء فاراه ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه وخديجه وانا ثالثهما، ارى نور الوحى والرساله، واشم ريح النبوه).
وسئل قثمبن العباس كيف ورث على رسول اللّه دونكم؟ فقال(كان اولنا لحوقا به، واشدنا به لصوقا).
بمعنى انه كلما تذكرت بطون قريش نبوه محمد تذكرت امامه على من بعده، لقد ربطت الاثنين معا، وتجسد هذا الربط واقعيا حيث كان الاثنان معا يسكنان فى بيت النبى.
نصوص نبويه ومراسيم تشريعيه ثبتت ولايه العهد والامامه من بعد النبى:
عملا بمبدا التدرج بتعميم وتثبيت الحكم الشرعى، ونظرا لاهميه ولايه عهد النبى والامامه من بعده فقد اعلن رسول اللّه خلال مرحلتى الدعوه والدوله الاسلاميه سلسله من الاعلانات او المراسيم التشريعيه لتثبيت وترسيخ ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، فقال لولى عهده امام ملا المسلمين وعامتهم:(انت منى بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى(2) واعلنه وليا للمسلمين فقال له:(انت وليى فى الدنيا والاخره)(3).
وقال لولى عهده امامهم(انت ولى كل مومن من بعدى)(4) وقال للمسلمين فى قضيه الجاريه انه:(...
ولى كل مومن بعدى)(5) وجعل ولايته طريقا الى الجنه ومسلكا الى الهدى، وحاجزا عن الضلاله فقال للمسلمين:(من احب ان يحيى حياتى ويموت موتى ويسكن جنه الخلد التى وعدنى ربى، فان ربى غرز قضبانها بيده فليتول عليا فانه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم فى ضلاله)(6).
واعلن امام المسلمين قائلا:(اوصى من آمن بى وصدقنى بالولايه لعلى، فانه من تولاه تولانى، ومن تولانى تولى اللّه، ومن احبه احبنى ومن احبنى احب اللّه، ومن ابغضه ابغضنى ومن ابغضنى فقد ابغض اللّه)(7).
واعلن امام المسلمين قائلا:(من آمن بى وصدقنى فليتول علىبن ابى طالب، فان ولايته ولايتى، وولايتى ولايهاللّه)(8)وتاكيدا لحق على بالولايه والامامه من بعد النبى نزل قوله تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون، ومن يتولى اللّه ورسوله والذين آمنوا فان حزب اللّه هم الغالبون)((9) وسبب نزول هذه الايه ان علىبن ابى طالب تصدق بخاتمه وهو راكع، فرآه رسول اللّه، فدعا ربه بالدعاء الذى دعا به موسى ربه (واجعل لى وزيرا من اهلى) وما اتم رسولاللّه دعاءه حتى هبط جبريل ومعه آيه الولايه(10) ولم يكتف الرسول بذلك، واحتياطا لسد ابواب التاويلات فقد اعلن الرسول ان عليا سيد المسلمين، وامام المتقين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين، وانه رايه الهدى، وامام الاولياء، ونور اهل الطاعه، فقال امام المسلمين:(اوصى اللّه الى فى على ثلاثه.
(انه سيد المسلمين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين)(11) وقال له امامهم:(مرحبا بسيد المسلمين وامام المتقين)(12) وفى جلسه ضمته والملا من المسلمين قال النبى:(يا انس اول من يدخل عليك من هذا الباب امير المومنين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين.
قال انس: قلت: اللهم اجعله رجلا من الانصار -وكتمته- اذ جاء على فقال: من هذا يا انس؟ فقلت: على.
فقام مستبشرا فاعتنقه...)(13) وفى يوم من الايام قال رسول اللّه امام الملا من المسلمين:(ادعوا لى سيد العرب، فقالت عائشه: الست سيد العرب؟! فقال النبى: انا سيد ولد آدم وعلى سيد العرب)(14) وقال فى جمع من المسلمين:(النظر الى وجه على عباده، وهو سيد فى الدنيا وسيد فى الاخره، من احبه احبنى، وحبيبى حبيب اللّه، وعدوه عدوى، وعدوى عدو اللّه، ال(15)ويل لمن ابغضه( واعلن امام المسلمين قائلا: يا على كذب من زعم انه يحبنى ويبغضك(16)) وخاطب النبى عليا امام المسلمين قائلا له:(انت تبين لامتى ما اختلفوا فيه من بعدى(17)) واعلن امام المسلمين قائلا:(كفى وكف على فى العدل سواء)(18) وقال امام المسلمين:(انا مدينه العلم وعلى بابها)(19)،(وانا مدينه الحكمه وعلى بابها(20)).
وزياده فى اقامه الحجه قال النبى لاصحابه:(علىبن ابى طالب باب حطه من دخله كان مومنا ومن خرج منه كان كافرا)(21). وقال لهم النبى:(على منى وانا من على، ولا يودى عنى الا انا او على)(22).
وقال لاصحابه ايضا:(انا المنذر، وعلى الهادى، وبك يا على يهتدى المهتدون)(23) واعلن امام اصحابه قائلا:(انا وهذا -يعنى عليا- حجه على امتى يوم القيامه)(24) واكد لهم ذلك بقوله:(على مع القرآن، والقرآن مع على لا يفترقان حتى يردا على الحوض)(25).
وامعانا بالتشريف، واعلانا عن عمق الالتصاق بين نبوه النبى، وولايه على امر النبى من ربه ان يزوج ابنته فاطمه سيده نساء العالمين الى سيد المسلمين(26)، ورفض النبى ان يزوج السيده المباركه لابى بكر او لعمر(27)، واعلن النبى امام المسلمين: ان اللّه قد جعل ذريه كل نبى من صلبه، وجعل ذريه محمد من صلب على(28).
فاولاد على وفاطمه بالنص الشرعى هم اولاد النبى، وهم ورثته من بعده، ومنهم ائمه الامه الى يوم الدين، واعلن النبى: ان وصيه ووارثه على(29)، واخيرا اعلن فى حجه الوداع امام جمع يزيد على مئه الف مسلم ولايه على، وامامته للمسلمين من بعده،(30) وقدم له المسلمون التهانى وعلى راسهم ابو بكر وعمر(31) وبانتهاء اعلان التوليه امر اللّه نبيه ان يعلن كمال الدين وتمام النعمه(32).
وضوح قرار تعيين الولى والامام من بعد النبى
يصعب تاويل قرار تعيين الولى والامام من بعد النبى، فالنبى وصفه بانه خليفه له، وانه ولى المسلمين، وولى كل مسلم ومسلمه من بعده، وانه امير المومنين، وانه سيد المسلمين، وانه المبين للدين من بعد النبى، وان طاعته طاعه النبى، ومعصيته معصيه للنبى، وانه لا يودى عن النبى غيره، وانه وارث النبى، فكانه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد تعمد ان يعلن ولايه العهد والامامه بكل الالفاظ والمدلولات المتعارف عليها فى زمانه وفى كل زمان، وذلك نظرا لاهميه هذا المنصب ولضرورته من بعده، ومن يمض بهذه النصوص الشرعيه يجدها متكامله، وتشكل شبكه محكمه واطارا متينا للامامه يصعب الخروج عنه دون الخروج من الدين نفسه(33).
قرار تعيين الامام وكافه النصوص النبويه اوامر الهيه:
النبى الكريم، يتبع ما يوحى اليه، (ان اتبع الا ما يوحى الى(34) وعندما اعلن: ان عليا ولى عهده والخليفه من بعده، ورسخ وثبت هذا الاعلان طوال مرحلتى الدعوه والدوله بمئات النصوص الشرعيه، لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه، بل فعله بناء على التوجيهات الالهيه، وحتى على مستوى زواج ابنته الغاليه، سيده نساء العالمين، كان ينتظر التوجيه الالهى بزواجها انظر الى تصريحه حول هذا الموضوع اذ جاء فيه:(بشاره اتتنى من ربى فى اخى وابن عمى وابنتى بان اللّه زوج عليا من فاطمه)(35) وقوله لفاطمه:(اما ترضين ان اللّه اختار من اهل الارض رجلين، احدهما ابوك، والاخر بعلك)(36).
وكقوله:(ان اللّه اوحى الى فى على ثلاثا، انه سيد المسلمين)(37).
وكقوله:(ان اللّه عهد الي في علي عهدا... ان عليا رايه الهدى، وامام اوليائى ونور من اطاعنى)(38) وكقوله:(يا معشر الانصار الا ادلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا؟ قالوا بلى يا رسول اللّه قال: هذا على فاحبوه بحبى، واكرموه بكرامتى، فان جبريل امرنى بالذى قلت لكم عن اللّه عز وجل)(39) ومن جهه ثانيه فان مهمه النبى ان يبين للناس ما نزل اليهم من ربهم، ومن المسلم به ان القرآن الكريم قد جاء تبيانا لكل شىء، فهل يعقل ان يترك النبى اهم شىء وهو الامامه من بعده دون بيان؟! ومن الذى فرق الامه بردا، وجعلها طرائق قددا، غير التنافس على منصب خلافه النبى؟!
تالق نجم ولى العهد والامام من بعد النبى:
لقد تم اختيار الامام على من اللّه تعالى ليكون ولى عهد للنبى خلال حياته، والامام او رئيس الدوله او امير الجماعه المسلمه من بعد وفاه النبى، بل ووالد الائمه او روساء الدوله الاسلاميه، على اعتبار ان اولاد على هم اولاد النبى، كما هو ثابت بالنصوص الشرعيه القاطعه، وقد اعلن النبى هذا الاختيار الالهى، وارسى قواعد موسسه الامامه او رئاسه الدوله الاسلاميه او اماره الجماعه المسلمه، وقدم الرسول ولى عهده على اساس انه الاعلم والافهم بالدين، والاكثر اخلاصا له، وعلى اساس انه الافضل.
وجاءت الوقائع لتترجم التكييف الالهى، ولتثبت دقته ويقينيته، فاثبت الامام على انه الاشجع فى الجماعه المسلمه، ولا يوجد من هو اشجع منه، وقد اعترف العدو والصديق بسبقه فى هذا المجال، واثبت بانه الاعلم وبانه الافهم بالدين، وقد رجع اليه كل الخلفاء، واثبت بانه الاكثر اخلاصا للدين، فقد ضمن بحقه لينجو دين الاسلام، واثبت انه الافضل اطلاقا فى الجماعه المسلمه.
وهكذا انطبقت الوقائع على النصوص، فكانها ثوب قد فصل على لابسه، واللّه اعلمحيث يضع رسالته.
الاحساس بالخطر وعدم احتمال لفظ النص الشرعى:
مع انتشار المعرفه وتعميمها، ومع سطوع فجر الحريات، وتكريس الحق بالراى والراى المعارض، والرغبه فى الوقوف على الحقائق العلميه المجرده، احس القوم بالخطر الداهم من النص الشرعى (ان هذا اخى وخليفتى ووصيى فيكم فاسمعوا له واطيعوا) وقدروا ان شيوع هذا النص واطلاع عامه المسلمين عليه يمزق الهاله المقدسه التى اضفاها القوم على التاريخ السياسى الاسلامى الذى ساد من بعيد وفاه النبى حتى سقوط آخر سلاطين بنى عثمان، وعلى الذين قادوا هذا التاريخ، وكيف يسمحون بتمزيق تلك الهاله المقدسه، وقد ضحوا بالدين نفسه لتجميل التاريخ وقادته.
فى كتاب حياه محمد لمحمد حسين هيكل ص104 الطبعه الاولى ذكر الحديث النص الشرعى(ان هذا اخى ووصيى وخليفتى فيكم) وفى الطبعه الثانيه وما بعدها من طبعات الكتاب حذفت هذه الجمله كامله من النص.
وفى تفسير الطبرى ج 19 ص121 طبعه مصطفى الحلبى استبدلوا كلمه (ان هذا اخى ووصيى وخليفتى) بكلمه (ان هذا اخى وكذا وكذا) فلم يتحملوا ان يلفظوا كلمه (وصيى وخليفتى) فاستعاضوا عنها بكذا وكذا مع ان الطبرى نفسه ذكر النص الشرعى بكامله فى تاريخه ج2 ص319.
وتلك عاده تعود القوم عليها فيحذفون من النص ما يعارض التاريخ او ما لا يليق بجماله وهالته!!! وظاهر الحق معهم، فان استطاعوا ان يوولوا كلمه ولى المومنين فكيف يمكنهم تاويل كلمه خليفه، او كلمه وصى!!! |
|