منتديات الشلة العربية   www.sh2elh.com
قديم 26-11-2008, 03:11 PM   #1
● عضو فضي نشيط ●

المواجهه قبل الهجرة

الباب
الاول




الفصل الاول

انتشار نبأ النبوة مع نبأ ولاية العهد والخلافة



خلال المرحلة السرية للدعوة، كثرت الاشاعات عن بشائر النبوه والرساله والكتاب، وكثر الاهتمام بشخصيه محمدبن عبداللّه واختلطت الامور على بطون قريش، وزاد فضولها للوقوف على حقيقه الرجل، وحقيقه الاشاعات التى تنشر من حوله بذلك الوقت، وبالذات تلقى النبى امرا الهيا باعلان دعوته، ويبدو جليا من التسلسل المنطقى للامور، ان النبى قد جمع الهاشميين فى بيته اولا، واطلعهم على حقيقه النبا العظيم،وانه -وبامر من ربه- عين فى هذا الاجتماع ولى عهده والامام من بعده وانتهى الاجتماع بقرار البيت الهاشمى بحمايه النبى وعدم تسليمه، واعلن هذا القرار (عميد البيت الهاشمى) عبد مناف‏بن عبدالمطلب المكنى بابى طالب.

واجتماع الهاشميين فى بيت النبى لم يكن خافيا على بطون قريش المشبعه بالفضول للوقوف على حقيقه محمد، ومن الطبيعى ان وقائع الاجتماع، انتشرت وشاعت بعد سويعات من انفضاضه، وهكذا وقفت بطون قريش على حقيقه ومجمل النبا.

ويبدو ان الخطوه المنطقيه الثانيه تمثلت بصعود النبى على الصفا، ومناداته على بطون قريش وملاها الذين يجتمعون دائما حول الكعبه وقيامه باعلان نبا النبوه والرساله والكتاب امامهم.

ويذكر المورخون ان رسول اللّه واصحابه قد خرجوا فى صفين واخترقوا طرق مكه وسككها).

وهكذا احيط البطن الهاشمى خاصه بحقيقه النبا، وتم تعيين ولى العهد والخليفه من بعد النبى امام هذا البطن، واحيطت بطون قريش وسكان مكه عامه بحقيقه هذا النبا، ووقفوا على حقيقه الشائعات التى انتشرت طوال المرحله السريه من الدعوه والتى استمرت ثلاث سنين، واشرب الجميع نبا النبوه ونبا ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، وانتشر نبا ولايه العهد او الامام من بعد النبى مع نبا النبوه، ولكن لان بطون قريش متغطرسه، ولم تحمل الامر محمل الجد، ولان النبا العظيم(نبا النبوه) هو الاعظم فقد طغى على نبا ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، وقد وثقت ذلك فى الباب المتعلق بالقياده من بعد النبى توثيقا كاملا.



التدرج بتعميم وتثبيت ولايه العهد :

او الامامه من بعد النبى: التدرج بتعميم وترسيخ معالم الحكم الشرعى، صفه ملازمه لقواعد العقيده الاسلاميه، ويمكن ان تلحظ هذه الصفه فى الصلاه، وفى الانفاق، وفى الدعوه، وفى المنهج السياسى، وتحريم المالوفات كالخمر، وحتى فى طريقه نزول القرآن الكريم، وولايه العهد او الامامه من بعد النبى لازمتها صفه التدرج والتعميم‏والتثبيت المستمر، فقد اعلنت ولايه العهد او الامامه من بعد النبى فى‏الاجتماع الذى عقده النبى لبنى هاشم فى بيته، حيث اعلن فى هذا الاجتماع لاول مره ان على‏بن ابى طالب هو ولى عهد النبى، وهو الامام او امير الجماعه المسلمه من بعد النبى.

وطوال مرحله الدعوه العلنيه فى مكه والتى استمرت عشر سنين والرسول يظهر مع ولى عهده معا، يسيران معا، ويصليان معا، فاذا روى الرسول روى معه ولى عهده والامام من بعده، وكانا يسكنان معا فى بيت واحد.



ولى العهد المعين يصف علاقته بالنبى فى تلك المرحله:

قال الامام على واصفا علاقته بالنبى فى تلك الفتره:(وضعنى فى حجره وانا وليد، يضمنى الى صدره، ويكنفنى فى فراشه، ويمسنى جسده، ويشمنى عرقه، وكان يمضغ الشى‏ء ثم يلقمنيه، وما وجد لى كذبه فى قول، ولا خطله فى فعل.

وكنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علما، ويامرنى بالاقتداء به، ولقد كان يجاور فى كل سنه بحراء فاراه ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه وخديجه وانا ثالثهما، ارى نور الوحى والرساله، واشم ريح النبوه).

وسئل قثم‏بن العباس كيف ورث على رسول اللّه دونكم؟ فقال(كان اولنا لحوقا به، واشدنا به لصوقا).

بمعنى انه كلما تذكرت بطون قريش نبوه محمد تذكرت امامه على من بعده، لقد ربطت الاثنين معا، وتجسد هذا الربط واقعيا حيث كان الاثنان معا يسكنان فى بيت النبى.



نصوص نبويه ومراسيم تشريعيه ثبتت ولايه العهد والامامه من بعد النبى:

عملا بمبدا التدرج بتعميم وتثبيت الحكم الشرعى، ونظرا لاهميه ولايه عهد النبى والامامه من بعده فقد اعلن رسول اللّه خلال مرحلتى الدعوه والدوله الاسلاميه سلسله من الاعلانات او المراسيم التشريعيه لتثبيت وترسيخ ولايه العهد او الامامه من بعد النبى، فقال لولى عهده امام ملا المسلمين وعامتهم:(انت منى بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى(2) واعلنه وليا للمسلمين فقال له:(انت وليى فى الدنيا والاخره)(3).

وقال لولى عهده امامهم(انت ولى كل مومن من بعدى)(4) وقال للمسلمين فى قضيه الجاريه انه:(...

ولى كل مومن بعدى)(5) وجعل ولايته طريقا الى الجنه ومسلكا الى الهدى، وحاجزا عن الضلاله فقال للمسلمين:(من احب ان يحيى حياتى ويموت موتى ويسكن جنه الخلد التى وعدنى ربى، فان ربى غرز قضبانها بيده فليتول عليا فانه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم فى ضلاله)(6).

واعلن امام المسلمين قائلا:(اوصى من آمن بى وصدقنى بالولايه لعلى، فانه من تولاه تولانى، ومن تولانى تولى اللّه، ومن احبه احبنى ومن احبنى احب اللّه، ومن ابغضه ابغضنى ومن ابغضنى فقد ابغض اللّه)(7).

واعلن امام المسلمين قائلا:(من آمن بى وصدقنى فليتول على‏بن ابى طالب، فان ولايته ولايتى، وولايتى ولايه‏اللّه)(8)وتاكيدا لحق على بالولايه والامامه من بعد النبى نزل قوله تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون، ومن يتولى اللّه ورسوله والذين آمنوا فان حزب اللّه هم الغالبون)((9) وسبب نزول هذه الايه ان على‏بن ابى طالب تصدق بخاتمه وهو راكع، فرآه رسول اللّه، فدعا ربه بالدعاء الذى دعا به موسى ربه (واجعل لى وزيرا من اهلى) وما اتم رسول‏اللّه دعاءه حتى هبط جبريل ومعه آيه الولايه(10) ولم يكتف الرسول بذلك، واحتياطا لسد ابواب التاويلات فقد اعلن الرسول ان عليا سيد المسلمين، وامام المتقين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين، وانه رايه الهدى، وامام الاولياء، ونور اهل الطاعه، فقال امام المسلمين:(اوصى اللّه الى فى على ثلاثه.

(انه سيد المسلمين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين)(11) وقال له امامهم:(مرحبا بسيد المسلمين وامام المتقين)(12) وفى جلسه ضمته والملا من المسلمين قال النبى:(يا انس اول من يدخل عليك من هذا الباب امير المومنين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين.

قال انس: قلت: اللهم اجعله رجلا من الانصار -وكتمته- اذ جاء على فقال: من هذا يا انس؟ فقلت: على.

فقام مستبشرا فاعتنقه...)(13) وفى يوم من الايام قال رسول اللّه امام الملا من المسلمين:(ادعوا لى سيد العرب، فقالت عائشه: الست سيد العرب؟! فقال النبى: انا سيد ولد آدم وعلى سيد العرب)(14) وقال فى جمع من المسلمين:(النظر الى وجه على عباده، وهو سيد فى الدنيا وسيد فى الاخره، من احبه احبنى، وحبيبى حبيب اللّه، وعدوه عدوى، وعدوى عدو اللّه، ال(15)ويل لمن ابغضه( واعلن امام المسلمين قائلا: يا على كذب من زعم انه يحبنى ويبغضك(16)) وخاطب النبى عليا امام المسلمين قائلا له:(انت تبين لامتى ما اختلفوا فيه من بعدى(17)) واعلن امام المسلمين قائلا:(كفى وكف على فى العدل سواء)(18) وقال امام المسلمين:(انا مدينه العلم وعلى بابها)(19)،(وانا مدينه الحكمه وعلى بابها(20)).

وزياده فى اقامه الحجه قال النبى لاصحابه:(على‏بن ابى طالب باب حطه من دخله كان مومنا ومن خرج منه كان كافرا)(21). وقال لهم النبى:(على منى وانا من على، ولا يودى عنى الا انا او على)(22).

وقال لاصحابه ايضا:(انا المنذر، وعلى الهادى، وبك يا على يهتدى المهتدون)(23) واعلن امام اصحابه قائلا:(انا وهذا -يعنى عليا- حجه على امتى يوم القيامه)(24) واكد لهم ذلك بقوله:(على مع القرآن، والقرآن مع على لا يفترقان حتى يردا على الحوض)(25).

وامعانا بالتشريف، واعلانا عن عمق الالتصاق بين نبوه النبى، وولايه على امر النبى من ربه ان يزوج ابنته فاطمه سيده نساء العالمين الى سيد المسلمين(26)، ورفض النبى ان يزوج السيده المباركه لابى بكر او لعمر(27)، واعلن النبى امام المسلمين: ان اللّه قد جعل ذريه كل نبى من صلبه، وجعل ذريه محمد من صلب على(28).

فاولاد على وفاطمه بالنص الشرعى هم اولاد النبى، وهم ورثته من بعده، ومنهم ائمه الامه الى يوم الدين، واعلن النبى: ان وصيه ووارثه على(29)، واخيرا اعلن فى حجه الوداع امام جمع يزيد على مئه الف مسلم ولايه على، وامامته للمسلمين من بعده،(30) وقدم له المسلمون التهانى وعلى راسهم ابو بكر وعمر(31) وبانتهاء اعلان التوليه امر اللّه نبيه ان يعلن كمال الدين وتمام النعمه(32).



وضوح قرار تعيين الولى والامام من بعد النبى

يصعب تاويل قرار تعيين الولى والامام من بعد النبى، فالنبى وصفه بانه خليفه له، وانه ولى المسلمين، وولى كل مسلم ومسلمه من بعده، وانه امير المومنين، وانه سيد المسلمين، وانه المبين للدين من بعد النبى، وان طاعته طاعه النبى، ومعصيته معصيه للنبى، وانه لا يودى عن النبى غيره، وانه وارث النبى، فكانه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد تعمد ان يعلن ولايه العهد والامامه بكل الالفاظ والمدلولات المتعارف عليها فى زمانه وفى كل زمان، وذلك نظرا لاهميه هذا المنصب ولضرورته من بعده، ومن يمض بهذه النصوص الشرعيه يجدها متكامله، وتشكل شبكه محكمه واطارا متينا للامامه يصعب الخروج عنه دون الخروج من الدين نفسه(33).



قرار تعيين الامام وكافه النصوص النبويه اوامر الهيه:

النبى الكريم، يتبع ما يوحى اليه، (ان اتبع الا ما يوحى الى(34) وعندما اعلن: ان عليا ولى عهده والخليفه من بعده، ورسخ وثبت هذا الاعلان طوال مرحلتى الدعوه والدوله بمئات النصوص الشرعيه، لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه، بل فعله بناء على التوجيهات الالهيه، وحتى على مستوى زواج ابنته الغاليه، سيده نساء العالمين، كان ينتظر التوجيه الالهى بزواجها انظر الى تصريحه حول هذا الموضوع اذ جاء فيه:(بشاره اتتنى من ربى فى اخى وابن عمى وابنتى بان اللّه زوج عليا من فاطمه)(35) وقوله لفاطمه:(اما ترضين ان اللّه اختار من اهل الارض رجلين، احدهما ابوك، والاخر بعلك)(36).

وكقوله:(ان اللّه اوحى الى فى على ثلاثا، انه سيد المسلمين)(37).

وكقوله:(ان اللّه عهد الي في علي عهدا... ان عليا رايه الهدى، وامام اوليائى ونور من اطاعنى)(38) وكقوله:(يا معشر الانصار الا ادلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا؟ قالوا بلى يا رسول اللّه قال: هذا على فاحبوه بحبى، واكرموه بكرامتى، فان جبريل امرنى بالذى قلت لكم عن اللّه عز وجل)(39) ومن جهه ثانيه فان مهمه النبى ان يبين للناس ما نزل اليهم من ربهم، ومن المسلم به ان القرآن الكريم قد جاء تبيانا لكل شى‏ء، فهل يعقل ان يترك النبى اهم شى‏ء وهو الامامه من بعده دون بيان؟! ومن الذى فرق الامه بردا، وجعلها طرائق قددا، غير التنافس على منصب خلافه النبى؟!



تالق نجم ولى العهد والامام من بعد النبى:

لقد تم اختيار الامام على من اللّه تعالى ليكون ولى عهد للنبى خلال حياته، والامام او رئيس الدوله او امير الجماعه المسلمه من بعد وفاه النبى، بل ووالد الائمه او روساء الدوله الاسلاميه، على اعتبار ان اولاد على هم اولاد النبى، كما هو ثابت بالنصوص الشرعيه القاطعه، وقد اعلن النبى هذا الاختيار الالهى، وارسى قواعد موسسه الامامه او رئاسه الدوله الاسلاميه او اماره الجماعه المسلمه، وقدم الرسول ولى عهده على اساس انه الاعلم والافهم بالدين، والاكثر اخلاصا له، وعلى اساس انه الافضل.

وجاءت الوقائع لتترجم التكييف الالهى، ولتثبت دقته ويقينيته، فاثبت الامام على انه الاشجع فى الجماعه المسلمه، ولا يوجد من هو اشجع منه، وقد اعترف العدو والصديق بسبقه فى هذا المجال، واثبت بانه الاعلم وبانه الافهم بالدين، وقد رجع اليه كل الخلفاء، واثبت بانه الاكثر اخلاصا للدين، فقد ضمن بحقه لينجو دين الاسلام، واثبت انه الافضل اطلاقا فى الجماعه المسلمه.

وهكذا انطبقت الوقائع على النصوص، فكانها ثوب قد فصل على لابسه، واللّه اعلم‏حيث يضع رسالته.



الاحساس بالخطر وعدم احتمال لفظ النص الشرعى:

مع انتشار المعرفه وتعميمها، ومع سطوع فجر الحريات، وتكريس الحق بالراى والراى المعارض، والرغبه فى الوقوف على الحقائق العلميه المجرده، احس القوم بالخطر الداهم من النص الشرعى (ان هذا اخى وخليفتى ووصيى فيكم فاسمعوا له واطيعوا) وقدروا ان شيوع هذا النص واطلاع عامه المسلمين عليه يمزق الهاله المقدسه التى اضفاها القوم على التاريخ السياسى الاسلامى الذى ساد من بعيد وفاه النبى حتى سقوط آخر سلاطين بنى عثمان، وعلى الذين قادوا هذا التاريخ، وكيف يسمحون بتمزيق تلك الهاله المقدسه، وقد ضحوا بالدين نفسه لتجميل التاريخ وقادته.

فى كتاب حياه محمد لمحمد حسين هيكل ص‏104 الطبعه الاولى ذكر الحديث النص الشرعى(ان هذا اخى ووصيى وخليفتى فيكم) وفى الطبعه الثانيه وما بعدها من طبعات الكتاب حذفت هذه الجمله كامله من النص.

وفى تفسير الطبرى ج 19 ص‏121 طبعه مصطفى الحلبى استبدلوا كلمه (ان هذا اخى ووصيى وخليفتى) بكلمه (ان هذا اخى وكذا وكذا) فلم يتحملوا ان يلفظوا كلمه (وصيى وخليفتى) فاستعاضوا عنها بكذا وكذا مع ان الطبرى نفسه ذكر النص الشرعى بكامله فى تاريخه ج‏2 ص‏319.

وتلك عاده تعود القوم عليها فيحذفون من النص ما يعارض التاريخ او ما لا يليق بجماله وهالته!!! وظاهر الحق معهم، فان استطاعوا ان يوولوا كلمه ولى المومنين فكيف يمكنهم تاويل كلمه خليفه، او كلمه وصى!!!



الفصل الثاني

تقييم بطون قريش لابناء النبوه والرساله

والكتاب وولايه العهد



القياده والزعامه فى مكه:

بعد صراع مرير بين جرهم، وخزاعه، وقريش آلت زعامه مكه(ام‏القرى) الى بطون قبيله قريش.

وتتالف هذه القبيله من 25 بطنا(40) اشرفها اطلاقا اولاد عبد مناف(بنو هاشم، بنو المطلب، بنو عبد شمس، بنو نوفل)(41) فهم ساده بطون قريش فى الجاهليه بغير منازع، وهم الذين اخذوا العصم لقريش من ملوك الارض، فانساحت برحلتى الشتاء والصيف بامن وامان.

ولانهم زعماء مكه، ولان البيت الحرام فى مكه، ولقيامهم بخدمه الحجيج واكرامه، ولكرمهم المميز، اشتهرت هذه البطون الاربعه وسموا باقداح النضار لفخرهم وسيادتهم على العرب(42)، وتبعا لذلك اشتهرت كل بطون قريش عامه.

وبعد منافسات طويله وصراع توصلت بطون قريش الى صيغه سياسيه جاهليه اقتسمت بموجبها المناصب السياسيه(مناصب الشرف)، بحيث يختص كل بطن من البطون المتنافسه على منصب من مناصب الشرف يبقى لهم، ولان هذا التقسيم فى جانب منه تركه، وفى جانب منه اتفاق ضمنى، وعقيده سياسيه فى الجانب الثالث، فقد استقر، واصبح جزءا(مما وجدنا عليه آباونا) فاختص الهاشميون بالسقايه والرفاده، وهو منصب من اخطر المناصب آنذاك واكثرها كلفه، واختص بنو عبد الدار باللواء، وهو رمز لوحده قريش، واختص بنو عبد شمس بالقياده، وآلت القياده الى ابى سفيان والد معاويه، والخلاصه ان القياده او الزعامه فى مكه حسمت بهذه الصيغه، واستقرت اوضاعها، ولم يعد من مصلحه اى بطن زعزعه او هز هذه الصيغه فى ظل الاوضاع السائده آنذاك.



التميز الهاشمى مصدر قلق لبطون قريش عامه والبطن الاموى خاصه:

هاشم اول من سن رحلتى الشتاء والصيف، وفى السنين العجاف لم يكن لمكه غيره يطعم الناس ويشبعهم، وكان يقال له ابو البطحاء وسيد البطحاء، وكان يحمل ابن السبيل ويومن الخائف، وينهى عن اكل الحرام، ويجالس الملوك فكثيرا ما دخل الى النجاشى وقيصر واكرموه، مما جعل من هاشم قائدا فعليا او زعيما فعليا لمكه وللبطون، هذا التميز اثار حسد اميه، واعتبر هذا التميز خطرا يتهدد حصته(القياده)(43)، لذلك تكلف ان يصنع مثل هاشم فعيرته العرب بذلك ثم نافر هاشما، وقضى بان هاشما هو الافضل، وخسر اميه الرهان، وجلى عن مكه(44)، وترك هاشم عبدالمطلب، وسريعا ما تخلق باخلاق ابيه فنهى عن الظلم والبغى ودنيات الامور، وقال ان وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن باحسانه، ويعاقب فيها المسيى‏ء بمساوئه، وحث على الوفاء بالنذر، ومنع نكاح المحارم، ونهى عن قتل المووده، وحرم الخمر والزنا، واكرم الجار، ورعى الذمام فقد قاطع حرب بن اخيه لانه قتل يهوديا، ولاحقه حتى اخذ الديه واعطاها لابن عم اليهودى، وهو الذى كشف ماء زمزم، واستخرج منها غزالان من ذهب، واسياف وحلى بها الكعبه، وكانت روياه حق، ودعاوه مستجاب، وكان يفى بالعقود، ولا يظلم، ولا يغدر، وكان يحرم اكل الميته.

وكان يقال له الفياض لجوده(45).

ومن الموكد ان هذه الصفات والمزايا العاليه تجعل من صاحبها زعيما، وقائدا فعليا تهفو له العقول السليمه، وترتاح اليه القلوب الطيبه فتواليه، وفسر الامويون هذه الصفات على انها محاوله للالتفاف على الصيغه السياسيه التى اعطت الحق بالقياده لبنى اميه، وفسرتها بطون قريش على انها مزاوده بلا معنى وتمهيد لزعزعه الصيغه ونسفها، وتحولت كل هذه الوساوس الى حسد اضمرته بطون قريش لهذا التميز الهاشمى، وبدات تشعر بالقلق المتزايد من هذا التميز واكثرها قلقا كان ابو سفيان، وخلال اسفاره سمع ان نبيا سيظهر من بنى عبد مناف، وقرر ابو سفيان انه لا يوجد فى بنى عبد مناف من هو اجدر بالنبوه منه(46)، ولم لا فانه وارث الحق بالقياده، وترقب حتى يصبح نبيا فيفرك انوف بنى هاشم بنبوته، ويضع حدا لتميزهم هذا، وينتزع منهم الاعتراف بانه القائد والزعيم بجداره.

وارتاح من ظلال هذا الوهم الى حين.



الاعلان عن النبوه والولايه قطع الشك باليقين:

من خلال الاشاعات التى تسربت عن النبوه والديانه الاسلاميه الجديده خلال المرحله السريه للدعوه التى استمرت بصوره سريه ثلاث سنوات، سمع ابو سفيان خاصه، وبطون قريش عامه ان(فتى بنى عبد المطلب يكلم من السماء)(47) واستبعد ابو سفيان خاصه، وبطون قريش عامه ان يختار اللّه محمد بن عبداللّه نبيا، واستثقلوا على انفسهم ان يتبعوا هذا الغلام(48)، واستبعدوا صحه هذه الاشاعات.

ولكن بعد ان صعد النبى على الصفا، واعلن امام الملا من قريش نبا النبوه والرساله والكتاب، وبعد ان تسربت وقائع الاجتماع الهاشمى فى بيت النبى، ونبا تعيين ولى العهد، وبعد ان قطع محمد واصحابه طرق مكه وسككها(49) معلنين انتماءهم للدين الجديد، تاكد ابو سفيان، والبطن الاموى خاصه، وتاكدت بطون قريش عامه من صحه انباء النبوه والكتاب وولايه العهد، وانها كانت مصيبه بقلقها وخوفها من البطن الهاشمى.



كيف فهمت بطون قريش أنباء النبوة وولاية العهد؟

بعد وقوف محمد بن عبد اللّه على الصفا(50)واعلانه رسميا عن نبا النبوه والرساله والكتاب امام الملا من قريش، وبعد ان تسربت وقائع اجتماع الهاشميين فى بيت النبى، وتسرب نبا اختياره لولى عهده، وبعد ان فاجا اصحاب محمد البطون باختراقهم لطرق مكه وسككها(51)، استوعب ابو سفيان والبطن الاموى خاصه وبطون قريش عامه المضامين الاساسيه للدعوه المحمديه، واعتبروها موامره هاشميه، وادركوا جميعا بان اهداف محمد بن عبداللّه تنصب على: تغيير عقيده الشرك السائده فى المجتمع المكى تغييرا كاملا، واستبدالها بالعقيده الاسلاميه الجديده، ويستتبع ذلك الغاء الصيغه السياسيه السائده فى مكه آنذاك، والقائمه على اقتسام مناصب الشرف بين بطون قريش، وايجاد نظام سياسى جديد بقياده محمد الهاشمى يحصر مناصب الشرف كلها به يخلفه بتدبير هذا النظام وقيادته الشخص الذى يعينه رب محمد، او يعينه محمد باذن من ربه!!! بعد ان يبسط سلطانه على مكه، وهكذا يحوز الهاشميون كافه مناصب الشرف وحدهم، ويحرمون البطون من المناصب التى ورثوها واصبحت حقوقا لهم!!! وبالايجاز فاذا كان بامكان بطون قريش ان تتكارم لتحاكى الكرم الهاشمى، وان تتفاخر لتنقله الفخر الهاشمى، وان تتصنع الحكمه لتردم الحكمه الهاشميه، فانه ليس بامكانها الاتيان بنبوه لتضارع هذه النبوه الهاشميه، وقد عبر عن هذه الحقائق ابو جهل احسن تعبير.

(التقى ابن ابى شريف مع ابى جهل وقال له: اترى محمدا يكذب؟ فقال له ابو جهل كيف يكذب على اللّه وقد كنا نسميه الامين لانه ما كذب قط، ولكن اذا اجتمعت فى بنى عبد مناف السقايه، والرفاده، والمشوره، ثم تكون فيهم النبوه فاى شى‏ء يبقى لنا؟.

وكان ابو سفيان يقول:(كنا وبنى هاشم كفرسى رهان، كلما جاءوا بشى‏ء جئنا بشى‏ء مقابل، حتى جاء منهم من يدعى بخبر السماء فانى ناتيهم بذلك!!(52).



برأى بطون قريش فان الدين الاسلامى يقوم على ثلاثه اسس:

فهمت بطون قريش عامه، وابو سفيان والبطن الاموى خاصه، ان الدين الذى جاء به محمد يقوم على ثلاثه اسس او على ثلاثه مرتكزات.

الاساس الاول:(الاساس الشخصى)، وهو محمد بن عبد اللّه الهاشمى بالذات الذى اعلن انه نبى ورسول، وانه يوحى اليه قرآنا من عند اللّه يعمل بالتعاون والتنسيق مع بنى هاشم، ومع اصحابه ليكون قياده جديده تحل محل قياده بطون قريش، حيث سيكون هو القائد والزعيم او صاحب الملك، وهو بمثابه المرجعيه الوحيده لدينه، والولى الوحيد فى حاله نجاح دعوته.

الاساس الثانى:(وهو الاساس القانونى)، ويتمثل فيما يوحى الى محمد( وهو القرآن)، وهو فى مجمله بالاضافه لقول محمد سيشكلان قانونا لاداره الملك الذى يطمح محمد بتكوينه واقامته، ومن خلال اسفارهم عرفوا ان الدول لها قوانين، وسمعوا وعرفوا عن قوانين روما والقياصره.

الاساس الثالث:( وهو الاساس البشرى)، ويتمثل بالهاشميين، وببنى المطلب بن عبد مناف وباصحاب محمد، وهم بمثابه نواه لمجتمع الملك الجديد، واركان للامه الجديده، وهم بمثابه جيش ينمو باستمرار، ومهمته حمايه القياده الجديده والديانه الجديده، وتوسيع رقعه الملك الجديد الذى يطمح محمد باقامته على انقاض ملك زعامه بطون قريش، وطمعه بالغاء حق الامويين الموروث بالقياده!! هذا الملك الذى يامل محمد بالقضاء عليه وتدميره، ويامل بحرمان الامويين من حقهم الموروث بقيادته(53).



قريش وأوهام التضرر من الدين الجديد:

للاسف الشديد ان زعامه بطون قريش عامه، والزعماء الامويون بقياده ابى سفيان خاصه قد قدروا انهم المتضررون من هذا الدين الجديد.

فقد اعتبروا مخطئين ان النبوه موجهه ضدهم بالذات، وان غايتها هو ابدال زعامه البطون بزعامه محمد، واقامه ملك محمد على انقاض ملك البطون، وان هدفها الحقيقى هو الغاء الصيغه السياسيه الجاهليه القائمه على اقتسام مناصب الشرف بين البطون، والغاء القياده الامويه، واقامه نظام جديد يعط‏ى الحق للهاشميين بالتمتع بكل مناصب الشرف وحيازتها، ويعط‏ى الحق لمحمد بالقياده بدلا من ابى سفيان، وهكذا براى البطون ينال الهاشميون شرف النبوه وشرف الملك معا، وتحرم من هذين الشرفين كافه بطون قريش، وفى ذلك اجحاف بحق البطون على حد تعبير عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فيما بعد!!!(54).



بطون قريش عامه والبطن الاموى خاصه يحددون موقفهم النهائى من انباء النبوه وولايه العهد:

قدرت بطون قريش عامه، والبطن الاموى خاصه ان نجاح النبوه المحمديه والرساله يعنى (حسب تحليل قريش) دمار الصيغه السياسيه الجاهليه القائمه على التوازن بين البطون وتقسيم مناصب الشرف، وتعنى ايضا تفرد البطن الهاشمى بشرف النبوه، وحرمان بطون قريش من هذا الشرف.

وعندما ينجح محمد بدعوته، ويتمكن من بناء المجتمع الجديد على اساسها، فسيكون حاكم ذلك المجتمع بغير منازع، وهكذا يتفرد الهاشميون بالملك ايضا وبمزايا القياده، وفى ذلك نسف كامل للصيغه السياسيه الموروثه، ونسف للجانب السياسى من عقيده الشرك التى تتبناها البطون!! فالدين الجديد براى بطون قريش خروج هاشمى على ما اجمعت عليه البطون ورضيت به، وهو نقض للصيغه السياسيه يصب فى الخانه الهاشميه، وبما ان البطن الهاشمى هو الذى يحتضن الدعوه والداعيه، فمن الموكد -حسب منطق الاشياء وبتحليل قريش- ان خلافه محمد ستنحصر فى البطن الهاشمى ابدا، وقد سمعت بطون قريش بوقائع الاجتماع الذى عقده الهاشميون فى دار محمد، وسمعوا نبا اختيار على بن ابى طالب لولايه محمد ولخلافته من بعده، وهكذا سينال الهاشميون شرف النبوه ابدا، وشرف الملك ابدا، وستحرم بطون قريش من هذين الشرفين معا، وهذا امر ينبغى ان ترفضه كافه البطون، وان تكافح بكل وسائل الكفاح لاجهاض النبوه والدين والرساله، لان اختصاص محمد الهاشمى بشرف النبوه وحرمان البطون الاخرى من هذا الشرف، امر غير مقبول، واختصاص آل محمد مع النبوه بالملك اجحاف بحق البطون على حد تعبير عمربن الخطاب فيما بعد(55).

والطريق الاوحد يتمثل برفض النبوه ورفض الرساله ورفض الكتاب!!!



الامويون البطن الاكثر اندفاعا بمعاداه النبوه وبنى هاشم:

كان اكثر البطون القريشيه اندفاعا بمعاداه النبى ورسالته وبنى هاشم حضنته هو البطن الاموى، وابو سفيان واولاده خاصه، ذلك لان القياده كانت لبنى اميه ولابى سفيان خاصه، ونجاح دعوه محمد يعنى فقدانهم لمنصب القياده الذى توارثوه، وانتقال هذا المنصب الى محمد الهاشمى والى آله من بعده، والامويون وابو سفيان واولاده خاصه لا يطيبون خاطرا ببنى هاشم، فذكريات المنافره بين هاشم واميه وفوز هاشم على اميه والجلاء عن مكه قبل البعثه ما زالت عالقه فى الذهنيه الامويه(56)، وحسد الامويين لبنى هاشم امر لا يخفى على احد فى مكه آنذاك.

ومن جهه ثانيه فقد سبقت البعثه النبويه اشاعات بان النبى الموعود سيكون من بنى عبد مناف، واقتنع ابو سفيان بانه الاجدر بهذه النبوه(57).

وفوجى‏ء ابو سفيان باختيار اللّه سبحانه وتعالى لمحمد، فاحبط وامتلا قلبه وبنوه وبنو عمومتهم الامويين بالحسد لمحمد خاصه، وللهاشميين عامه، واقنع ابو سفيان نفسه بان الهاشميين قد(سرقوا) حلمه بالنبوه وهم فى طريقهم عن طريق هذه النبوه لياخذوا حقه بالقياده، فكان الحسد هو الموجه الاعظم لتحركات الامويين خاصه، ولبطون قريش عامه(58) خلال مرحله الدعوه العلنيه التى استمرت عشر سنين(59) فاندفعت بطون قريش بقياده البطن الاموى، وبالتحديد ابى سفيان وبنيه، وشكلوا الجبهه المعارضه للنبوه وللاسلام ولمحمد ولال محمد، وعارضوا النبى بكل وسائل المعارضه، وآذوه بكل انواع الاذى، وصدوا عن سبيل اللّه بكل وسائل الصد، وتامروا على قتل النبى(60)، وشرعوا بهذا القتل فصلا(61)، ولكن اللّه نجى نبيه.

وعندما هاجر النبى مكرها، وكون قاعده دولته، جيشت بطون قريش الجيوش بقياده البطن الاموى، وحاربته بكل وسائل الحرب طوال ثمانى سنين من اصل عشر سنين(عمر دوله النبوه المباركه)، واخيرا احاط اللّه بهم وامكن نبيه منهم، واغلقت بوجههم كل الابواب، ولم يبق الا باب الاسلام فاسلمت بطون قريش عامه، والبطن الاموى خاصه، مكرهين بعد ان غلبوا على امرهم وسموا بالطلقاء)(62).

وطوال 21 عاما وبطون قريش عامه والبطن الاموى خاصه يعارضون ويقاومون الاسلام ونبيه ويحاربون اللّه ورسوله، وخلال هذه الحروب قتل الامام على والهاشميون سادات بنى اميه وسادات البطون القريشيه، فجمعت بطون قريش مع الحسد لمحمد ولال محمد الحقد على محمد وعلى آل محمد لانهم قتلوا سادات البطون، وما فعلته هند ام معاويه بعم النبى لدليل قاطع على طبيعه هذا الحقد(63).

وبالرغم من دخول جيوش النبى لعاصمتهم عاصمه الشرك آنذاك، وبالرغم من هزيمه البطون المنكره، وبالرغم من عفو النبى الكريم وحلمه وقوله لهم(اذهبوا فانتم الطلقاء)، الا ان هذه البطون لم تكن راضيه عن الترتيبات الالهيه، ولا مطمئنه لهذا التميز الهاشمى، صحيح انها توقفت عن المقاومه، والقت السيوف التى حاربت بها الاسلام ونبى الاسلام، واندمجت فى المجتمع الاسلامى، الا انها استغلت سماحه الاسلام، واخذت تخلق الفرص وتتحينها لاعاده التوازن بين البطون الذى اختل -برايها بالنبوه الهاشميه، واخذت تعمل بالخفاء لتعديل الترتيبات الالهيه بعد موت النبى!!!(64)



الفصل الثالث

بطون قريش ترفض النبوه والرساله والكتاب



تعميم النبا العظيم:

بصعوده صلى اللّه عليه وآله وسلم على الصفا، وباعلانه رسميا لنبا النبوه والرساله والكتاب، وباختراقه واصحابه لطرق مكه وسككها مكبرين موحدين للّه، وباجتماعه مع الهاشميين فى داره، واختياره لولى عهده، واجماع البطن الهاشمى على عدم تسليم النبى وعلى حمايته، بهذا كله عمت انباء النبوه والرساله والكتاب وولايه العهد ارجاء مكه كلها، ودخلت هذه الانباء كل بيت من بيوتها، واحيط سكان مكه علما بهذه الانباء.



الاعلان عن الرفض المطلق:

ما ان اعلن النبى انباء النبوه والرساله والكتاب، واحيطت بطون قريش ال‏23 بهذه الانباء علما، عندئذ وقفت وقفه رجل واحد بقياده البطن الاموى، واعلنت رفضها المطلق والتام للنبوه والرساله والكتاب ولولايه العهد، واعلنت انها ستجند كل امكانياتها الماديه والادبيه لصد سكان مكه خاصه والعرب عامه عن تصديق محمد وانبائه، وعن الدخول فى دينه، وتجسيدا لهذا الرفض شنت بطون قريش‏الثلاثه والعشرين حملات نفسيه واعلاميه مركزه ومنكره ومنظمه ضد محمد، وضد نبوته، وضد القرآن، وضد البطن الهاشمى، وضد الذين اتبعوه، واعلنت هذه البطون انها لن تسمح اطلاقا بنجاح محمد، او نجاح دعوته، وقد فهمت مضامين هذا الاعلان ضمنا ومن خلال مواقف البطون.



انقسام بطون قريش والمجتمع المكى:

قلنا ان الزعامه او الوجاهه او الامر فى مكه قد استقر لصالح قبيله قريش، وتتكون هذه القبيله من خمسه وعشرين بطنا، وكانت ظاهريا قبل الاسلام‏تظهر بمظهر واحد، وتلوح كانها وحده واحده لها علم يرمز لوحدتها، ويحمل بنو عبدالدار هذه الرايه، وتسمى برايه قريش كلها، ولها قياده ممثله بالبطن الاموى، وتظهر هذه القياده وتتصرف على اساس انها قياده لكل بطون قريش، ويكرم الهاشميون ويطعمون الحجيج ويسقونه ويسهلون اقامته، وينفقون عليه، ويحسنون وفادته، فيتحدث الناس عن كرم قريش كلها، وحسن وفادتها، فكان الهاشميون يكرمون باسم قريش كلها، وكان بنى عبدالدار يحملون رايه قريش كلها، وكان الامويون يقودون قريش كلها..الخ.

وباختصار كانت قريش تظهر امام الاخرين كانها كتله واحده بصرف النظر عما بين بطونها من ضغائن، وحسد، ودغاله.

اما فى الحق والحقيقه فقد كانت وحده البطون تاكل من الداخل وتنذر بانهيار مريع.

وجاءت الاعلانات المتبادله الصادره عن محمدبن عبداللّه من جهه، وعن بطون قريش ال‏23 من جهه اخرى، لتعجل حركه التاكل الداخلى، ولتكرس علنا واقع انقسام المجتمع المكى، فانقسم المجتمع المكى الى قسمين.

1 - القسم الاعظم عددا ومددا ظاهريا، ويتالف من بطون قريش الثلاثه والعشرين من والاهم من الموالى والاحابيش، وقد اعلنوا بلسان واحد، انهم سيقفون ضد محمد، وضد دعوته، وانهم لن ياذنوا له بان يفسد عليهم امرهم.

2 - اما القسم الثانى وهو الاقل عددا، ويتالف من محمد رسول‏اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن بطنه الهاشمى ومن بطن بنى المطلب‏بن عبد مناف، وممن والى هذين البطنيين من الموالى والاحابيش يضاف اليهم الذين اعتنقوا دين محمد.

وقد اعلن محمد انه لن يتراجع عن دعوته حتى لو وضعوا الشمس فى يمينه والقمرفى يساره، وانه ملزم بتبليغ رسالات ربه.



تلخيص الانقسام:

بمعنى ان قريش تتكون من خمسه وعشرين بطنا وقف منها مع محمد بطنان هما البطن الهاشمى وبطن بنى المطلب بن عبد مناف ووقف ضده الى 23 بطنا الاخرى من بطون قريش.



حتمية المواجهة:

محمد بن عبد اللّه مصر على دعوته، وهو ماض بتبليغ رسالات ربه، ولا مساومه فى هذه الناحيه، فها هو يقول لعمه الذى راجعته مشيخه بطون قريش، وطلبت منه ان يتدخل لدى محمد للتوقف عن دعوته:(واللّه ما انا بقادر ان ارد ما بعثنى به ربى، ولو ان يشعل احدهم من الشمس نارا)، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مره اخرى:(يا عم واللّه لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى على ان اترك هذا الامر حتى يظهره اللّه او اهلك فيه ما تركته).

وموقف عماده البطن الهاشمى آنذاك المتمثله بابى طالب مرتبط ارتباطا وثيقا بموقف النبى، فها هو ابو طالب يقول باسم الهاشميين:(واللّه لننصرنه ثم لنعيننه)، ويقول فى موقف آخر مخاطبا النبى:(يا ابن اخى اذا اردت ان تدعو الى ربك فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)، وقال فى موقف ثالث مخاطبا مشيخه قريش:(واللّه لبئس ما تسوموننى، اتعطونى ابنكم اغدوه لكم، واعطيكم ابنى تقتلونه، هذا واللّه ما لا يكون ابدا).

وقوله للنبى:(اذهب يا ابن اخى فقل ما احببت، فواللّه لا اسلمك لشى‏ء ابدا)، وعندما اشيع يوما ان محمدا قد قتل، رتب ابو طالب موامره لقتل كل سادات قريش دفعه واحده، وحضر محمد والفتيه الهاشميون على وشك تنفيذ امر ابى طالب بقتل سادات قريش، عندئذ اعلن ابو طالب تفاصيل ما قرره، وكشف الفتيه الهاشميون عن سلاحهم، فادركت مشيخه قريش الجد الهاشمى.

بمعنى ان النبى ماض بدعوته، وان الهاشميين وعلى راسهم عميدهم آنذاك ابوطالب لن يسلموه وسيحموه.

ولن يسمحوا لاحد ان يمس شعره منه وسيردون على ايه‏اساءه توجه الى النبى، وفى حاله قيام قريش بقتل محمد، فان الهاشميين سيقتلون سادات قريش كلهم، وسيقاتل الهاشميون والمطلبيون حتى يفنوا، وتفنى بطون قريش كلها.

كذلك فان بطون قريش ال‏23 بقياده البطن الاموى مصره على الحيلوله بين محمد ودعوته للّه، ومصره على منعه وعلى تعويق دعوته، وعلى المحافظه على عقيدتها عقيده الشرك وعلى نظامها السياسى وامرها كله، وفى سبيل ذلك هى على استعداد لتعادى محمدا، والهاشميين واتباع محمد، وان تستعدى العرب قاطبه على محمد ومن والاه مستغله نفوذها الادبى عند العرب لتحقيق ذلك مما يجعل المواجهه بين محمد والبطنين الهاشمى والمطلبى ومن شايع محمد من جهه، وبين بطون قريش ال‏23 واشياعها من جهه اخرى قدرا محتوما لا مفر منه.



اهداف بطون قريش من المواجهه مع النبى:

فور اعلان النبى عن بشائر النبوه والرساله والكتاب، وبمجرد انفضاض الاجتماع الهاشمى الذى عقد فى دار النبى، اعلنت زعامه بطون قريش ال‏23 بقياده البطن الاموى، وبالتحديد ابو سفيان وآله(حاله الطوارى‏ء)، واعلنوا المواجهه مع النبى خاصه ومع الهاشميين عامه، ومع من والاهم، واخذت هذه المواجهه اشكالا مختلفه طوال حياه النبى بدءا من السخريه والاستهزاء والاغراء والتكذيب، وانتهاء بالحرب المسلحه التى شنوها على النبى وآله، والتى وضعت اوزارها بهزيمه البطون الساحقه، ثم عوده البطون للتشكيك بكل ذلك من وراء جدر.

وغايه بطون قريش ال‏23 وهدفهم من هذه المواجهه ينصب على ما يلى: 1 - صرف شرف النبوه والرساله والكتاب عن محمد الهاشمى لمجرد كونه هاشميا، وعن آله لكونهم هاشميين، لانه ليس من الانصاف براى البطون ان ينال البطن الهاشمى هذا الشرف وحده من دون بطون قريش ال‏25(65)، ومن جهه ثانيه فان محمدا ليس عظيما من عظماء القرشيين حتى يكون جديرا بهذا الشرف(لولا نزل هذا لقرآن على رجل من القريتين عظيم)(66).

2 - التصدى بكل وسائل التصدى للنبوه والرساله والكتاب حتى لا ينجح محمد بدعوته، وحتى لا يفلح بنسف عقيده الشرك، واحلال عقيده الاسلام محلها، وتبعا لذلك ستسقط زعامه الشرك(زعامه بطون قريش) وتحل محلها آليا زعامه محمد الهاشمى كونه الاعلم والافهم بهذه العقيده، ولانه مرجعها اليقينى الوحيد، وكون محمد همزه الوصل بين السماء واتباع هذه العقيده، وحيث ان الرهط هو الذى يحتضن محمدا ويحتضن دعوته، فحتما مقضيا سيكون الهاشميون بطانه زعامته، وسيكون خليفته منهم، وقد عرفت البطون وقائع اجتماع الهاشميين الذى عقد فى دار النبى، وسمعت تلك البطون بقول النبى للمجتمعين:(ايكم يوازرنى على هذا الامر ويكون اخى ووزيرى وخليفتى فيكم..، وسمعوا بقوله لعلى بن ابى طالب انت اخى وخليفتى...)(67).

وبهذه الحاله تقع الطامه الكبرى براى البطون، ويجمع الهاشميون شرف النبوه، وشرف الملك وعزه، ويقع المحذور على حد تعبير عمربن الخطاب رضى اللّه عنه ابن بطون قريش البار وترجمانها الامين فيما بعد(68).

3 - وفى سبيل تحقيق ذلك يجب ان تتحد بطون قريش ال‏23 فى وحده حقيقيه، وان تقف وقفه رجل واحد، وتسلم قيادتها للبطن الاموى ليقود المواجهه ضد نبوه محمد ومطامع الهاشميين، وهكذا كان اذا اتحدت البطون وتولى الامويون بقياده ابى سفيان وذريته كبر مواجهه النبى ومواجهه دينه، والصد عن سبيل اللّه مستغله نفوذها الادبى عند العرب، بوصفهم جيران بيت اللّه الحرام وسدنته.

4 - ووسيله البطون الى ذلك كله تتمثل بعزل محمد عن بنى هاشم، فمحمد مجرد رجل يسهل قتله والقضاء على دعوته، ولكن العقبه الكوود هم بنو هاشم الذين اعلنوا انهم حماه النبى، وان اى اعتداء عليه من قبل البطون هو بمثابه اعلان حرب لن تضع اوزارها حتى يفنى الهاشميون والبطون معا(69)، لذلك رات البطون استعمال كل الوسائل لعزل محمد عن الهاشميين، وان اصر الهاشميون على عدم التخلى عن محمد يتوجب عزل الهاشميين انفسهم عن البطون، وفرض محاصرتهم ومقاطعتهم(70)، وبالتالى عزل الهاشميين عن العرب، وان لم تنجح هذه الوسائل فيتوجب على البطون ان تقدم رجالا منها ليشتركوا جميعا بقتل محمد فيضيع دمه بين البطون، ولا يقوى الهاشميون على المطالبه بدمه، وان لم تنجح محاوله القتل، فيتوجب ملاحقه محمد اينما حل، ومحاربته حتى يتم القضاء التام عليه وعلى دعوته(71).

5 - واثناء ذلك كله يجب صد الناس عن دين محمد ودعوته، وملاحقه الذين اتبعوا دينه وعزلهم والتضييق عليهم، وحملهم على ترك هذا الدين، وتشويه سمعه محمد بين الناس وعند العرب، واشاعه الدعايات الكاذبه عنه، والقول بانه - حاشا له- مجنون او كاهن او شاعر، او كاذب...الخ، والتشكيك بكل ما يقوله، وان القرآن‏الذى جاء به(ان هو الا اساطير الاولين..الخ).

وبايجاز فان بطون قريش حسدت محمدا واهل بيت محمد فضلا خصهم اللّه به، فتصرفت طوال حياه النبى بدوافع الغيره والحسد، وحسد بطون قريش امر ظاهر(72).

(ام يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله)(73).

التقى ابن ابى شريف مع ابى جهل وقال له اترى محمدا يكذب؟ فقال له ابوجهل كيف يكذب على اللّه وقد كنا نسميه الامين، لانه ما كذب قط ! ، ولكن اذا اجتمعت فى بنى عبد مناف السقايه والرفاده والمشوره، ثم تكون فيهم النبوه فاى شى‏ء يبقى لنا!! وكان ابو سفيان يقول(كنا وبنى هاشم كفرسى رهان، كلما جاءوا بشى‏ء جئنا بشى‏ء مقابل، حتى جاء منهم من يدعى خبر السماء فانى ناتيهم بذلك)(74).

هذا هو نمط تفكير البطون، وتلك هى الدوافع الخفيه لفهم مواقف تلك البطون.



الفصل الرابع

المواجهه



طبيعه المواجهه:

مع ان المواجهه بين النبى والهاشميين ومن شايعهم من جهه، وبين بطون قريش ال‏23 واشياعهم من جهه اخرى، قد اصبحت قدرا محتوما ولا مفر منه، الا ان هذه المواجهه محكومه ومضغوطه فى المرحله الاولى منها(75) بعوامل متعدده، تجعل من هذه المواجهه مواجهه نفسيه واعلاميه وتهديديه، او ان شئت فقل انها حرب بارده، فابو طالب سيد البطحاء، والشيخ الفعلى لقريش كلها، وهو حكيمها وشاعرها وسيدها وابن سيدها، وهو عميد البطن الهاشمى، ومحمد هو ابن شقيق ابى طالب، وهذا عامل من اهم العوامل التى تجعل المواجهه بين الفريقين محكومه ومضغوطه، فضلا عن ذلك فان ابا طالب لم يقطع صلته بالبطون بل كان يستقبل وفودها، ويستمع لمطالب تلك الوفود، وينقل تلك المطالب لابن اخيه محمد، ويسمع رده عليها وينقل الرد لوفود قريش(76)، ويساهم بذلك بتلطيف حده الصراع وابقائه ضمن حدود معينه.

كما ان ابا طالب قد ابلغ بطون قريش واثبت لهم بانه قد هم بان يقتل سادات البطون كلهم عندما ظن بان محمدا قد قتل، وانه قد خصص لكل سيد من سادات البطون هاشميا ليقتله، فادركت بطون قريش ان عمليه قتل النبى مكلفه، وانها ستفتح عليها سلسله من الثارات لا تنتهى الا بدمار قريش، وساعدت قناعه البطون تلك على لجم المواجهه، وجعلها بحدود معينه، بالاضافه الى ذلك فان البطن الهاشمى وبطن بنى المطلب قد اعلنا حمايتهما للنبى، وانهما لن يسلماه، ولن يسمحا لاحد بايذائه(77)، فمحمد بحمايه هذين البطنين الهاشمى والمطلبى، وهذان البطنان قوه حقيقيه معروفه عند العرب بفخرها وشرفها ومكانتها، ولا تملك بطون قريش امكانيه تجاهلها، خاصه بعد ان ايقنت تلك البطون بجديه الموقف الهاشمى، انظر الى قول ابى طالب مخاطبا ومتوعدا ومحذرا لبطون قريش:(واللّه لو قتلتموه ما ابقيت منكم احدا حتى نتفانى نحن وانتم)(78).

وانظر الى قوله مخاطبا النبى:(يا ابن اخى اذا اردت ان ندعو الى ربك، فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)(79) كان عاملا من اهم العوامل التى حددت طبيعه المواجهه بين الفريقين، فاخذت المواجهه بين الفريقين فى السنين العشر الاولى طابعا او مناخا يشبه مناخ الحرب البارده بين القوى العظمى، فكل قوه تتمسك برايها وعقائدها ولا تتراجع عنها، وموقفه ان الصدام قدر لا مفر منه، ولكنها لا تعرف متى ولا اين؟ وتجهل نتائجه! مما طبع المواجهه الاولى بطابع الحرب النفسيه والاعلاميه، وجعلها ملجومه بحدود معينه حتى حين.



جبهتان وقيادتان للمواجهه:

مع اعلان النبى لبشائر النبوه والرساله والكتاب وولايه العهد او الاماره من بعد النبى، ومع اعلان البطنين الهاشمى وبطن بنى المطلب حمايتهما للنبى، وعدم تسليمه، وعدم السماح لاى كان بايذائه، واعلان الهاشميين بانهم سيقاتلون بطون قريش حتى آخر رجل اذا قامت تلك البطون بقتل محمد(80)، ومع دخول عدد من الناس فى دين الاسلام(81)، ومع اصرار بطون قريش ال‏23 على رفض النبوه والرساله والكتاب وولايه العهد، واعلانها بانها ستقاوم محمدا بكل وسائل المقاومه..

مع هذا كله تكونت واقعيا جبهتان تتواجهان، وقيادتان تتنافسان:

الجبهه الاولى جبهه الايمان: وتتكون هذه الجبهه من البطن الهاشمى، وبطن بنى عبد المطلب، ومن مواليهما واحابيشهما بالاضافه الى القله التى دخلت فى دين الاسلام، وهذه هى جبهه الايمان.

الجبهه الثانيه جبهه الشرك والعصيان: وتتكون هذه الجبهه من بطون قريش ال‏23 ومواليها واحابيشها، بمعنى ان مقاليد الامور فى مكه -ام القرى- كانت بيد قبيله قريش، وان هذه القبيله كانت تتكون من 25بطنا(82)، ومع اعلان بشائر النبوه والرساله والكتاب وولايه العهد انقسمت بطون قريش الى قسمين، فالبطن الهاشمى وبطن بنى عبد المطلب بن مناف وقفا الى جانب النبى، وشكلوا معه نواه جبهه الايمان، اما بقيه بطون قريش ال‏23 فقد رفضوا نبوه محمد، واعتبروها هاشميه، واخلالا بتوازن البطون القرشيه، وخروجا هاشميا على الصيغه السياسيه السائده فى مكه.

ورفضوا الدين الاسلامى على اعتبار انه اثر من آثار نبوه محمد، وتبعا لذلك شكلوا جبهه عريضه هى جبهه الشرك، لغايات مقاومه النبوه المحمديه، ومقاومه الدين الاسلامى المنبثق عن هذه النبوه، وللصد عن سبيل اللّه المتمثل بمحمد وبدين الاسلام.



القيادتان:

عندما تتكون جبهتان متعارضتان، وعندما تصبح المواجهه بينهما قدرا محتوما، وقاب قوسين او ادنى، فمن الطبيعى ان تبرز قياده لكل جبهه من الجبهتين المتنافستين، تتولى عمليه التدبير والتخطيط، وتعمل على تحقيق اهداف الجبهه من المواجهه، فمن الذى كان يقود جبهه الايمان، ومن الذى كان يقود جبهه الشرك؟



قياده جبهه الايمان:

ظهرت فكره الايمان النقى بظهور نبوه محمد، حيث استقطب بنبوته الهاشميين وبنى المطلب، والقله التى آمنت من بطون قريش واحابيشها ومواليها، ومن هولاء تكونت جبهه الايمان، وكرده فعل لظهور هذه الجبهه، تجمع الرافضون لفكرتى النبوه والايمان وشكلوا جبهه الرفض والتصدى(جبهه الشرك)، وغايتها الغاء النبوه الهاشميه او القضاء عليها، واجهاض فكره الايمان، ومنع الدين الجديد من الانتشار.

وبهذه الحاله فان طبائع الامور ومنطقها يقضيان بان تكون قياده جبهه الايمان بيد محمد (صلى‏اللّه عليه وآله وسلم)، فهو النبى والرسول المكلف بتبليغ رسالات ربه، وهو الاعلم بمضامين تلك الرسالات، وهو الاكثر اخلاصا لها، وهو الذى يتلقى التوجيهات الالهيه بالذات، ويبلغها لاتباعه، وبالضروره هو ولى من آمن به وناصره، وهو امير الجماعه المسلمه وقائدها وامامها، ومن المحال عقلا ان تكون قياده جبهه الايمان بيد غيره، فهو وحده القائد العام لجبهه الايمان اثناء المواجهه، يستعين بمن يشاء من اتباعه تحت عين اللّه ليضمن كسب المواجهه ولتكون كلمه اللّه هى العليا، وكلمه اعداء اللّه هى السفلى.

اركان قياده جبهه الايمان: قلنا ان محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم هو القائد العام لجبهه الايمان بالشرع والعقل والضروره، لانه الاعلم والاخلص، ولانه هو بالذات الذى يتلقى التوجيهات المتعلقه بمسيره جبهه الايمان، ومنطق الامور يقضى ان يستعين القائد العام محمد بصفوه اتباعه ليكونوا اركانا لقيادته فمن هم اولئك الصفوه؟

1 - اولهم ولى عهده والامام من بعده: على بن ابى طالب عليه السلام حيث عينه الرسول بامر من ربه وليا لعهده واماما واميرا وعلما للجماعه المسلمه من بعده، واعلن ذلك مع اعلانه لانباء النبوه والرساله والكتاب، وطلب من الهاشميين ومن بنى المطلب -وهم العمود الفقرى لجبهه الايمان- ان يسمعوا لعلى‏بن ابى طالب ويطيعوه، وكان من بين الحضور والده ابو طالب(83).

واقتضت حكمه اللّه تعالى ان يكفل النبى عليا، وان يعيش فى كنف النبى كواحد من افراد اسرته(84)، وان يبقى كذلك حتى يفارق النبى الحياه، وذلك ليعده لخلافته وليصنع على عين الرسول بالشكل والمضمون الذى اراده اللّه تعالى.

وخلال مرحلتى الدعوه التى استمرت ثلاث سنوات سريه، وعشر سنوات علنيه، ومرحله الدوله التى استمرت عشر سنوات(85)، كان الامام على يتبع الرسول اتباع الفصيل لامه، وينفذ اوامره حرفيا(86) مهما كانت مكلفه، فعلى سبيل المثال امره النبى ان ينام فى فراشه ليله هجرته ليوهم المتامرين على قتل النبى ان النائم هو النبى وليس عليا(87)، ونفذ الامام الامر مع انه من الممكن ان يقتله المتامرون ظنا منهم انه النبى(88).

وكلفه الرسول ان يودى الامانات الى اهلها بعد هجرته(89)، وان يتولى عمليه ترحيل عائله الرسول من مكه الى المدينه، وبعد الهجره، وفى اول معركه جرت بين الكفر والايمان، كلفه ان يخرج مع حمزه وعبيداللّه بن الحارث لمبارزه سادات قريش دفاعا عن الحق الهاشمى(90)، وفى كل معارك الشرك مع الايمان كانت الرايه بيد على(91)، وكان هو فارس الاسلام الاوحد، وقد فر الجميع ولم يفر(92)، وتقدم فى مواطن عجز الجميع ان يصلوا اليها(93)، وحقق النصر فى معارك عجز الجميع عن تحقيقها(94)، وعندما سقطت عاصمه الشرك، وصدر الامر الالهى بالبراءه من المشركين، ارسل الرسول سوره البراءه مع ابى بكر، واحيط المسلمون علما بذلك، وبينما كان ابو بكر متوجها الى مكه هبط جبريل بامر من ربه، ومعه الامرالالهى بان ياخذ قرار البراءه من ابى بكر ويعطيه لعلى، وتعليل ذلك انه لا يودى عن النبى الا هو او على وقد احيط المسلمون علما بذلك(95).

وفى آخر حجه حجها الرسول(حجه الوداع) نصبه الرسول رسميا اماما ووليا للمومنين من بعده(96) وتوجه بتاج الولايه(97) وطلب من المومنين ان يقدموا التهانى لامير المومنين من بعد النبى، وبالفعل قدموا له التهانى، وكان على راس المهنئين ابو بكر وعمر رضى اللّه عنهما(98).

والخلاصه ان على بن ابى طالب ابرز اركان قياده جبهه الايمان خلال مرحلتى الدعوه الاسلاميه والدوله الاسلاميه فى عهد النبوه المبارك.

2 - الركن الثانى من اركان قياده النبى، وهو عبد مناف بن عبد المطلب المكنى بابى طالب وهو والد الامام على‏بن ابى طالب وعم الرسول الشقيق لوالده(99)، وهو الذى كفل الرسول وضمه الى اولاده بعد وفاه جده، ورباه فى كنفه حتى تزوج(100)، واحاط ابو طالب والسيده زوجته رسول‏اللّه بكل مشاعر الحب والموده، واحباه اكثر مما يحب الوالدان ابنهما(101).

وكان لابى طالب الدور البارز فى اركان قياده جبهه الايمان، فهو الذى شجع الهاشميين والمطلبيين على حضور اول اجتماع سياسى فى دار النبى(102)، وهو الذى تصدى لخصومه فى ذلك الاجتماع ولجمهم(103)، وهو الذى ارسى قواعد تاييد الهاشميين والمطلبيين للنبى(104)، واعلان هذين البطنين حمايتهما للنبى، وهو الذى اعلن امام بطون قريش بانها اذا قتلت محمدا فان الهاشميين والمطلبيين سيقاتلون البطون حتى الفناء التام(105)، وهو نفسه الذى خاطب النبى امام قريش‏وباسم الهاشميين قائلا:(يا ابن اخى اذا اردت ان تدعو الى ربك فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)(106).

وهو نفسه الذى كان يستقبل وفود البطون ويسمع لمطالبها وينقل رد النبى عليها(107)، وابو طالب هو الذى كان ينقل النبى عده مرات من فراشه ليليا اثناء الحصار خوفا على حياته(108)، وهو الذى شجع بنيه على التضحيه بارواحهم فداء لمحمد(109)، وهو الناطق الرسمى باسم النبى عندما اكلت رايه الارض صحيفه المقاطعه، وهو الذى قاد عمليه الرجوع من الشعب الى مكه عندما حوصر الهاشميون فى شعب ابى طالب(110)، وهو شاعر الاسلام، وحامى حماه(111)، ومن هنا نفهم معنى قول رسول‏اللّه:(ما نالت منى قريش حتى مات ابو طالب)(112)، ولهذا سمى العام الذى مات فيه ابو طالب وماتت فيه زوجته بعام الحزن(113)، واعتبر موت الاثنين مصيبتين، وعبر عن ذلك بقوله:(اجتمعت على هذه الامه فى هذه الايام‏مصيبتان، لا ادرى بايهما انا اشد جزعا)(114).

والخلاصه ان ابا طالب كان احد اركان قياده جبهه الايمان، وقد استغل مكانته الاجتماعيه وسخرها لصالح الرسول ولصالح دينه، فقد كان -سلام‏اللّه عليه- شيخ البطاح وسيد البطون القريشيه بغير منازع.

وقد لجم وجوده المواجهه لتبقى ضمن حدود معينه، اذ هابته البطون ولم تقو على تصعيد المواجهه.

ومن المثير للدهشه حقا ان الدوله الاسلاميه التاريخيه التى قبضت على مقاليد السلطه بالقوه، وسيطرت على وسائل الاعلام، قلبت الحقائق وبقدره قادر حولت ابا طالب الى رجل مشرك، وقالت انه فى ضحضاح من النار على حد تعبير المغيره‏بن شعبه المشهور بعداوته لبنى هاشم وانكرت دور ابى طالب البارز فى قياده جبهه الايمان!!!(115).

ونسوا او تناسوا مضامين قول الرسول وهو يقف امام جثمان ابى طالب ويردد والاسى يملا قلبه الشريف:(يا عم ربيت صغيرا، وكفلت يتيما، ونصرت كبيرا، فجزاك اللّه عنى خيرا)(116).

ومع هذا اقنعوا العوام ان الرجل مات مشركا، واخفوا فضله على الاسلام ونبيه، واخترعوا فضائل لمن عادوا النبى وعادوا الاسلام وحاربوهما بكل وسائل الحرب!!! وللّه عاقبه الامور!!! 3 - ومن اركان قياده جبهه الايمان جعفربن ابى طالب، وهو ابن عم رسول‏اللّه، والاخ الشقيق للامام على بن ابى طالب، وهو من اوائل الذين آمنوا.

امره رسول‏اللّه ان يقود المهاجرين الى بلاد الحبشه وان يرتب امورهم هنالك، وان يوطد لهجرتهم.

ولما علمت قريش بامر الهجره خشيت من انتشار الاسلام فارسلت رسولين الى النجاشى ومعهما الهدايا، ورجت النجاشى‏ء ان يرد المهاجرين الى مكه، فدعا النجاشى جعفرا وسمع منه، وتمكن جعفربن ابى طالب من اقناع النجاشى بعداله القضيه الاسلاميه ومن هزيمه وفد بطون قريش)(117).

وكانت لهذا القائد مكانه خاصه فى قلب رسول اللّه، وعندما عاد من الحبشه بعد فتح خيبر استقبل الرسول قائلا(واللّه ما ادرى بايهما انا اشد سرورا بفتح خيبر ام بقدوم جعفر)(118).

وبقى ركنا عليا من اركان قياده جبهه الايمان حتى استشهد فى غزوه موته وهو حامل لرايه القياده والجهاد فى سبيل اللّه(119).

4 - ومن اركان قياده جبهه الايمان حمزه‏بن عبد المطلب، عم الرسول، اشترك مع الهاشميين بحمايه الدعوه والداعيه، ولما اشتد اذى قريش للنبى تحدى البطون واعلن اسلامه، ومن ذلك اليوم صار ركنا من اركان جبهه الايمان، وفارسا من اعظم فرسان الاسلام قاتل وابن اخيه على فى بدر قتالا فذا لم تعهده العرب، وكان حمزه وعلى وعبيداللّهبن الحارث اول ثلاثه برزوا لمبارزه سادات بنى اميه، وتمكن على وحمزه من ان يغيروا موازين القوى كليا لصالح جيش الاسلام، وفى احد فر الجميع ولم يبق غير حمزه وعلى ومصعب‏بن عمير والقله من اصحاب النبى، وبينما كان حمزه يقاتل باسلوبه الفذ غدره عبد حبشى من عبيد ابى سفيان، وكان قتل حمزه موامره امويه رتب فصولها ابو سفيان وزوجته هند ام معاويه، لان حقدهم‏على النبى وعلى، وحمزه خاصه، وبنى هاشم عامه حقد يفوق التصور والتصديق، ولم يكتف المتامرون بقتل حمزه، بل مثلوا به، فشقوا بطنه، وقطعوا انفه واذنيه، وحاولت هند ام معاويه ان تاكل كبده تشفيا وانتقاما من فرط حقدها(120).

5 - عبيد اللّه بن الحارث، وهو احد سادات بنى عبد المطلب، اعلن اسلامه يوم اجتماع الدار وبقى تحت تصرف الرسول يفعل ما يومر، وهاجر مع الذين هاجروا، وخرج مع الرسول الى بدر، ولمابرزت سادات الامويين وطلبوا المبارزه امره صلى‏اللّه عليه وآله وسلم- بان يخرج مع حمزه وعلى لمبارزتهم، وكان خصمه افتى منه فتبادلا الطعان واصيب عبيداللّه واستشهد فى بدر(121)، وعز ذلك على رسول‏اللّهوردد بيتا من الشعر قاله ابو طالب: فكذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل فونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن ابنائنا والحلائل(122) اركان قياده جبهه الايمان هاشميون: يلاحظ ان اركان قياده جبهه الايمان خاصه فى مرحله الدعوه هاشميون، والسبب فى ذلك ان الهاشميين قاطبه باستتثناء ابو لهب اعلنوا التفافهم حول النبى، وحمايتهم له، وانذروا بطون قريش بانها اذا قتلت النبى فان الهاشميين سيقاتلون حتى يفنى الهاشميون والبطون معا(123)، وبالتالى فان ايه اساءه توجه لمحمد سيرد الهاشميون عليها بحزم(124)، فضلا عن ذلك فقد احس الهاشميون بحسد قريش لهم، وباصرارها على صرف الفضل الالهى عنهم(125)، وادركوا ان بطون قريش تتامر عليهم، وقد اجمعت على مقاطعتهم وحصارهم فى شعب ابى طالب، ولم يرعوا فيهم الا ولا ذمه(126) ومن هنا نفهم معنى قول رسول‏اللّه لحمزه وعلى وعبيداللّه فى بدر:(يا بنى هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذى بعث اللّه به نبيكم اذا جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور اللّه)(127).

لماذا لم يبرز قاده من غير بنى هاشم فى مرحله الدعوه؟ لان الهاشميين هم الذين تحملوا عب‏ء حمايه الدعوه الاسلاميه، وحمايه الداعيه محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولان الهاشميين كانوا يشكلون بموازين بطون قريش كيانا سياسيا تعترف به البطون وتعتبره مسوولا، لانه لم يسلم محمدا ولم يمكن بطون قريش منه، وفوق ذلك فان البطن الهاشمى اعلن حمايته للنبى، وتوعد البطون بالافناء التام ان هى اقدمت على قتل النبى.

اما الذين اسلموا خلال مرحله الدعوه من غير بنى هاشم وبنى المطلب فقد كان لهم شان آخر، فهم من بطون شتى، وبالتالى لم يتبلور التجمع او الكيان السياسى الذى ينتمون اليه واجمالا هم مجرد افراد.

فضلا عن ذلك فقد كان المطلوب منهم ان يشهدوا ان لا اله الا اللّه، وان محمدا رسول‏اللّه، وان ما يوحى الى محمد هو من عند اللّه.

وهم على نوعين:

1 - فمن كان ينتمى بالدم الى اى بطن من البطون القرشيه حماه بطنه حمايه تامه، فقد يتعرض للوم والتقريع والسخريه، لكن لا احد يقوى على التعرض له بالضرب او القتل او الايذاء الظاهر، لانه مغط‏ى بحمايه بطنه.

2 - اما من كان منتميا الى بطون قريش بالموالاه او العبيد او الاحابيش ممن اسلموا، فقد كانوا موضع النقمه ومحط الابتلاء لانهم بلا حمايه عشائريه ومن هولاء: ا - بلال بن رباح الحبشى الذى كان عبدا مملوكا لاميه‏بن خلف الجمحى(128)، فقد عذبه اميه عذابا اليما فكان يضع الصخره العظيمه عليه فى الرمضاء ولا يتحول بلال عن ايمانه(129).

ب - ياسر وسميه -زوجته- وعمار -ابنهما- حلفاء بنى مخزوم ولم يتورع ابو جهل عن طعن سميه فى قبلها، وعذب ياسرا وعمارا عذابا اليما فصمدوا فمنهم من قضى نحبه ومنهم من انتظر(130).

ج - خباب بن الارت وكان ابوه من السبايا فعذب ايضا عذابا اليما وثبت على دينه(131).

د - الجاريه لبيبه جاريه بنى مومل بن حبيب بن عدى، فقد انزل بها عمر بن الخطاب اشد انواع العذاب فكان لا يتوقف عن تعذيبها الا سامه(132).

ه - زنيره المراه التى عذبها عمر بن الخطاب حتى فقدت عينيها(133).

هذه بعض نماذج الصفوه المومنه من المستضعفين، وبالاجمال فان المواجهه الحقيقيه كانت بين النبى محمد وآله من جهه، وبين بطون قريش من جهه اخرى، لقد تامرت البطون على الال -الكرام- فقاطعتهم وحدهم وحصرتهم فى شعاب ابى طالب وحدهم، وذاقوا عذاب المقاطعه والحصار وحدهم(134)، واشتركت بالحصار والمقاطعه كافه بطون قريش ال‏23 بما فيهم بنو تيم وبنو عدى وبنو اميه، ومن اسلم من هذه البطون كان خارج الحصار والمقاطعه تماما، وخارج نطاق المواجهه الحقيقيه، ولم يكن لهم دور يذكر لا بحمايه الدعوه، ولا بحمايه الداعيه، هذا هو السبب بانحصار اركان قياده المواجهه ببنى هاشم وببنى المطلب، وبثانويه الادوار التى قام بها المسلمون من بقيه البطون خلال مرحله الدعوه فى مكه.



القياده العامه لجبهه الشرك والعصيان:

بينا ان رسول‏اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان بالعقل والضروره ومنطق طبائع الامور، هو القائد العام لجبهه الايمان، خلال مرحلتى الدعوه الاسلاميه العلنيه التى استمرت عشر سنوات(135)، ومرحله الدوله الاسلاميه التى استمرت عشر سنوات ايضا، وساعده بهذه القياده رجال امتحن اللّه قلوبهم للايمان، اعطوا ولم ياخذوا، وقدموا اضخم التضحيات وليس لهم هدف الا رضوانه تعالى، وقد عرضنا نماذج من اركان قياده جبهه الايمان الذين تشرفوا بالعمل تحت قياده النبى.

واستكمالا للدائره ونزولا عند ضرورات البحث العلمى المجرد، يتوجب علينا بعد ذلك ان نبين من هو القائد العام لجبهه الشرك والعصيان الذى تولى كبر مجابهه النبى ومحاربته ومحاربه دينه بكل وسائل الحرب وفنونه طوال مرحلتى الدعوه والدوله، ومن هم اركان قيادته الذين وقفوا معه طوال عشرين عاما، حتى اذا ما احيط بهم وحصروا فى جزيره الشرك، اسلموا كارهين ونحو بحربهم للنبى منحى جديدا يتمثل بفنون الكيد الحقود لمحمد ولال محمد ولدين محمد؟!! القائد العام لجبهه الشرك والعصيان: كان القائد العام لجبهه الشرك والعصيان خلال مرحلتى الدعوه والدوله، هو صخربن حرب بن اميه بن عبد شمس بن عبد مناف المكنى بابى سفيان، وهو والد معاويه الذى ناصب امير المومنين العداء واجلب عليه طلاب الدنيا، وحاربه حربا لم تعهد البشريه اخلاقها، حتى غلب وقبض على مقاليد الامور، واصبح فيما بعد خليفه للمسلمين، وهو الذى دبر عمليه قتل الامام الحسن بالسم(136)، وهو الذى اوصى ابنه يزيدا ان يرسل مسلمه بن عقبه الى مدينه النبى، فيقتل اصحاب الخطر من الصحابه الكرام ويختم اعناق عامتهم(137)، وهو جد يزيد بن معاويه قاتل الامام الحسين، ومبيد الذريه الطاهره فى كربلاء(138) وهادم الكعبه المشرفه.

ورث ابو سفيان الحسد لبنى هاشم، والشغف بالتنافس معهم من ابيه حرب ومن جده اميه، فكان اميه يتشبه بهاشم ويحسده مكانته فى قريش، فعيرته بطون قريش بذلك، فاعلن اميه انه اشرف من هاشم ونافره عمه هاشم الى كاهنه خزاعه، فقضت ان هاشما اشرف من اميه، وخسر اميه الرهان، وذبح مائه ناقه، وجلى عن مكه عشر سنين، فازداد حقده على هاشم وبنيه واورث هذا الحقد والحسد والرغبه بمنافسه الهاشميين الى ذريته(139).

كان قصى يجمع شرف مكه، فكانت بيده السقايه والرفاده والحجابه والندوه واللواء والقياده، وبموته وموت عبدالدار صارت السقايه والرفاده والقياده لبنى عبد مناف، والحجابه واللواء لبنى عبد الدار.

ثم صارت السقايه لعبد المطلب بن هاشم ومن بعده لابى طالب، والقياده لاميه ومن بعده لابنه حرب ومن بعده لابنه ابى سفيان، وكان يقود الناس فى غزواتهم(140).

كان ابو سفيان تاجرا كثير التنقل والاسفار، وقد سمع ان نبيا سيبعث من آل عبد مناف، وقد اقنع نفسه انه ليس فى بنى عبد مناف من هو اجدر منه بالنبوه، فهو قائد قريش فى غزواتها، وهو تاجر ميسور الحال، وهو سليل عبد مناف رمز عز قريش وفخارها، ومن حوله بنو اميه الاكثر مالا ونفيرا(141).

وانتشرت شائعات فى مكه بان فتى عبد المطلب(محمد) يكلم من السماء(142)، ويقول بانه نبى، ورفض ابو سفيان ان يصدق تلك الشائعات، وفوجى‏ء ابو سفيان باعلان النبى لبشائر النبوه والرساله والكتاب، فجن جنونه، وسلم قياده نفسه لعناصر الحسد والحقد والتنافس والهوى، تعبث بها ذات اليمين وذات الشمال او تهوى بهافى مكان سحيق!! وشكا ابو سفيان لابن ابى الصلت سوء المقادير، وشعوره العميق بالهوان، وبنيات ثقيف تراه منقادا لغلام من بنى عبد مناف(يعنى النبى)، وحاول ابن ابى الصلت مشفقا ان يغير طريقه ابى سفيان بالتفكير، وان يعده لتقبل قدر محتوم فقال له:(كانى بك يا ابا سفيان ان خالفته قد ربطت كما يربط الجدى يوتى بك اليه فيحكم فيك بما يريد)(143).

ومن سوء طالع ابى سفيان ان بنى هاشم كافرهم ومومنهم احتضنوا محمدا، واعلنوا ان بطون قريش اذا قتلت محمدا فان الهاشميين سيقاتلون حتى يفنوا هم والبطون القريشيه معا( 144)، وابعد من ذلك ان ابا طالب قال للنبى:(يا ابن اخى اذا اردت ان تدعو الى ربك فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)(145).

فثارت فى نفس ابى سفيان لواعج التنافس، والحسد لبنى هاشم والحقد عليهم، وراق لابى سفيان ان يعتبر قضيه النبوه موامره هاشميه على الامويين عامه، وعلى ابى سفيان خاصه، وادرك ان سلاح النبوه لا مثيل له لتنفيذ هذه الموامره، فقال ابو سفيان والشعور بالاسى والاحباط والهزيمه يملا قلبه:(كنا وبنى هاشم كفرسى رهان، كلما جاءوا بشى‏ء جئنا بشى‏ء مقابل، حتى جاء منهم من يدعى خبر السماء فانى ناتيهم بذلك)!!؟(146) هذه الخلفيات هيات ابا سفيان نفسيا ليكون احد ابرز ائمه الكفر الذين لا ايمان لهم.

فابو سفيان هو قائد قريش فى غزواتها كما كان ابوه وجده اميه وعبد شمس(147)، وهو احد اشد المعادين للنبوه الهاشميه، وهو من اكبر تجار قريش واكثرهم ثراء، فكل الموهلات اللازمه لقياده جبهه الشرك متوفره فيه، فمن الطبيعى ان تقدمه بطون قريش ال‏23 ليقود جبهه الشرك، الرافضه للنبوه والرساله والكتاب وولايه العهد، وان يوجه القابلين بامرته التوجيه الذى يرى انه كفيل باحباط مشاريع النبوه والرساله والكتاب وولايه العهد.

فابو سفيان كان وراء وحده بطون قريش ال‏23 ضد محمد وضد البطن الهاشمى، فمن غير المعقول ان تتحد البطون فى غياب قائدها ودون علمه، وهو وراء توحيد متناقضات الشرك لتكوين جبهه قويه تقف متحده ضد محمد وضد الهاشميين ومع ان ابا جهل كان يعارض بشده نفوذ بنى عبد مناف بحجم معارضته للنبوه، وبالرغم من ان الامويين هم بطن من بطون عبد مناف، الا ان ابا سفيان لم يجد غضاضه من ان يتحالف مع ابى جهل، وحتى مع الشيطان ضد محمد وضد بنى هاشم!! وابو سفيان هو رئيس وفد البطون الذى توجه الى ابى طالب، وطالبه امابكف ابن اخيه محمد عن بطون قريش، او ان يخلى بين محمد وبين البطون، وابو سفيان هو الذى حطم الوحده بين بنى عبد مناف فاستهوى بنى نوفل، وضمهم الى جبهه الشرك ليقفوا وجها لوجه ضد ابناء عمومتهم الهاشميين وبنى المطلب، وابو سفيان كان وراء عمليات تعذيب المستضعفين من المسلمين، اذ من غير الممكن عقلا ان تتم عمليات التعذيب بدون علم القياده!! وابو سفيان هو مهندس عمليه الحصار والمقاطعه التى تفتقت عنها عقليه بطون قريش، ثم قررت حصار الهاشميين فى شعب ابى طالب، ومقاطعتهم ثلاث سنوات حتى اضطروا ان ياكلوا ورق الشجر من الجوع، واضطر اطفالهم ان يحصوا الرمال من العطش(148) فمن غير المقبول بكل الموازين العقليه، ان تتخذ البطون القريشيه قرارا بهذه الخطوه بدون علم قائدها واركان قيادته.

وكان ابو سفيان وراء استقبال الطائف لرسول اللّه ذلك الاستقبال السيى‏ء الذى اثر بنفس رسول‏اللّه تاثيرا عميقا، فهتف من اعماقه(اللهم اليك اشكو ضعف قوتى، وقله حيلتى، وهوانى على الناس، اللهم يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين، وانت الى من تكلنى الى بعيد يتجهمنى او الى عدو ملكته امرى(149)...

وابو سفيان احد الذين خططوا لارسال وفد الى النجاشى مزودا بالهدايا، لرد المسلمين الذين هاجروا الى الحبشه حتى يتمكن وائمه الكفر فى مكه من فتنتهم وردهم عن دينهم(150).

وابو سفيان هو احد المجتمعين على الاقل فى دار الندوه، والمتامرين على قتل النبى ليله هجرته، وقد قرر المجتمعون ان يختاروا من كل بطن من بطون قريش رجالا ليضربوا النبى ضربه رجل واحد، فيقتلوه ويضيع دمه بين القبائل، ولا يقوى الهاشميون على المطالبه بدمه(151)، ولما نجى اللّه نبيه من موامره ائمه الكفر، لم يتوقف ابو سفيان لحظه واحده عن الكيد للنبى فقد استاجر الفين من احابيش بنى كنانه ليقاتل بهم رسول‏اللّه(152)، وهو الذى نحى العير وساحل بها وعلى اثرها حدثت معركه بدر، وكان ابو سفيان غائبا عن المعركه حيث كان يقود العير، فحلف انه لا يغتسل قبل ان يثار من محمد، فجاء المدينه وقتل رجلا من الانصار واجيرا واحرق ابياتا وتبنا، فلحقه الرسول فى حمله السويق ومعه مائتا رجل، ولكنه لم يدرك ابا سفيان(153).

وحاول ابو سفيان ان يغتال رسول‏اللّه، فارسل ابو سفيان رجلا لهذه الغايه، ولكن اللّه نجى نبيه(154).

وابو سفيان وزوجته واولاده معاويه ويزيد، كانوا وراء معركه احد، فهم الذين حرضوا المشركين على الانتقام من محمد وعلى ضروره حربه، وهم الذين رتبوا موامره قتل الحمزه عم النبى، وانفقوا الكثير من اموالهم للتجهيز لمعركه احد.

فقد انفق ابو سفيان على هذه المعركه اربعين اوقيه من الذهب، وكل اوقيه 42 مثقالا(155)، وبعد انتصار المشركين نادى ابو سفيان على مسمع النبى اعلى هبلر اعلى هبل، لنا العزى ولا عزى لكم، ولم يكتف وزوجته بالت‏امر على قتل حمزه، بل قطعوا اذنيه وانفه واخذ يدق الرمح فى شدق حمزه قائلا ذق يا عقق(156).

وابو سفيان كان وراء اكبر تجمع شهدته الجزيره العربيه، حيث جمع الاحزاب وغزا بهم رسول‏اللّه، وتحالف حتى مع اليهود طمعا باستئصال محمد على حد تعبيره، وعندما اراد رسول‏اللّه ان يودى العمره، كان ابو سفيان على راس الذين صدوا رسول‏اللّه عن المسجد الحرام، والهدى معكوفا ان يبلغ محله.

ولم يرع ابو سفيان فى عداوته للنبى حتى اخلاق الجاهليه، فبالرغم من غناه وثروته فقد عدا على دور المهاجرين من بنى جحش‏بن رئات وباعها من عمرو بن علقمه(157).

خلال المده التى تراس فيها ابو سفيان جبهه الشرك والعصيان رمى الاسلام، وبنى الاسلام ومعتنقى الاسلام لكل منهم فى كنانته، وحاربهم بكل وسائل الحرب، وقاومهم بكل فنون المقاومه.

وفوجى‏ء ابو سفيان يوما من الايام بجنود اللّه يحيطون بعاصمه الشرك، كما يحيط السوار بالمعصم، وكان خارج مكه ويلقاه العباس بن عبدالمطلب، ويقترح عليه العباس ان يذهب به الى رسول‏اللّه ليستامن له، ويوافق الرسول على ان يومن ابا سفيان حتى الغداه(158).

وفى اليوم التالى اقتيد ابو سفيان الى رسول‏اللّه، كما يقاد الجدى تماما كما تنبا ابن ابى الصلت(159).

فخاطبه الرسول قائلا: ويحك يا ابا سفيان الم يان لك ان تعلم ان لا اله الا اللّه؟ فقال ابو سفيان بابى انت وامى ما احلمك واكرمك واوصلك، واللّه لقد ظننت ان لو كان مع اللّه اله غيره لقد اغنى عنى شيئا بعد.

قال الرسول ويحك يا ابا سفيان الم يان لك ان تعلم انى رسول‏اللّه؟ قال ابو سفيان بابى انت وامى ما احلمك واكرمك واوصلك، اما هذه فان فى النفس منها حتى الان شيئا(160).

وتدخل العباس لانقاذ ابى سفيان قائلا: ويحك اسلم واشهد انه لا اله الا اللّه، وان محمدا رسول‏اللّه قبل ان تضرب عنقك(161)، وهكذا وحتى لا تضرب عنقه نطق بالشهادتين، وتعاملا مع التركيبه النفسيه لابى سفيان، وتسخيرا لموقعه القيادى لصالح الفتح، ونزعا لفتيل المقاومه بالاعلان الضمنى عن استسلام ابى سفيان، امر النبى مناديا ينادى(من دخل دار ابى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن اغلق بابه فهو آمن)(162).

تلك هى الظروف التى اسلم بها ابو سفيان، اما طبيعه اسلامه، ومحبته لمحمد، واهل بيت محمد، ولبنى هاشم فموضوع آخر، فقبل النبوه، كان ابو سفيان خاصه والامويون عامه يحسدون بنى هاشم ويدمنون على التنافس معهم، فما هى طبيعه مشاعر ابى سفيان والامويين بعد 19 عاما من المواجهه، وبعد ان قتل الهاشميون سادات بنى اميه، وفيهم من اولاد ابى سفيان واخوال اولاده واجدادهم وبنى عمومتهم، انها مشاعر الحقد الاسود الدفين، والتلفظ بالشهادتين وحده غير قادر على محو هذه المشاعر السوداء بجره قلم من نفس ابى سفيان ونفوس اولاده ونفوس البيت الاموى عامه.

وبان محمدا هو سيد الامه ووليها فمن الطبيعى ان لا يعلنوا ذكره الا بخير، ومع هذا فقد كانت مشاعر الحقد تتفلت من ابى سفيان، فقد راى الناس يتهافتون على رسول‏اللّه يوما فقال ابو سفيان:(لو عاودت الجمع لهذا الرجل فضرب رسول‏اللّه فى صدره ثم قال لابى سفيان: اذا يخزيك‏اللّه)(163).

ولقد مر يوما فى خلافه عثمان على قبر حمزه بن عبد المطلب، فداس عليه برجله، وقال:(يا ابا عماره ان الامر الذى اجتلدنا عليه بالسيف امسى فى يد غلماننا اليوم يتلعبون به)(164).

وعندما آلت الامور الى عثمان، واصبح خليفه قال له ابو سفيان:(صارت اليك بعد تيم وعدى، فادرها كالكره، واجعل اوتادها بنى اميه، فانما هو الملك، ولا ادرى ما جنه ولا نار)(165).

ودخل يوما على عثمان بعدما ذهب بصره فقال: اها هنا احد فقالوا: لا فقال ابو سفيان:(اللهم اجعل الامر امر جاهليه والملك ملك غاصبيه واجعل اوتاد الارض لبنى اميه)(166).

ورسول اللّه على علم كامل بنفسيه ابى سفيان ونوازعه، وعن جديته فى عداوته للاسلام ولنبى الاسلام، ولاهل بيت النبوه وعلى علم بطبيعه المشاعر الامويه نحوه، ونحو اهله ونحو الاسلام، وقد خبر هذه المشاعر السوداء وعجم عودها طوال 23 عاما من المواجهه النفسيه والقتاليه والكيديه، وبالرغم من ان رسول‏اللّه قد بسط سلطانه على بلاد العرب، الا ان ابا سفيان لم يياس من النيل من رسول‏اللّه، فقد كمن له ومعه احدى عشر فردا لينفروا ناقته لعله يسقط عنها فيموت(167).

ومن الطبيعى جدا ان يلعنه رسول‏اللّه كوسيله لكشف حقيقته امام الامه، ولقد روى الامام الحسن عليه السلام ان رسول‏اللّه قد لعن ابا سفيان فى سبع مواطن، وعد الامام الحسن هذه المواطن(168)، ولعنه رسول‏اللّه فى صلاه الصبح فى الركعه الثانيه فقال: اللهم العن ابا سفيان وصفوان بن اميه(169)...

قال الحلبى فى روايه: صار صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول:(اللهم العن فلانا وفلانا).

(170) واخرج البخارى...

انه سمع رسول‏اللّه حتى اذا رفع راسه من الركوع من الركعه الاخيره يقول اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعدما يقول سمع اللّه لمن حمده(171).

وقال السيوط‏ى: واخرج احمد والبخارى والترمذى والنسائى وابن جرير والبيهقى من الدلائل ان رسول‏اللّه قال يوم احد:(اللهم العن ابا سفيان، والعن الحرث‏بن هشام، والعن سهيل بن عمرو والعن صفوان بن اميه)، ثم قال السيوط‏ى: واخرجه الترمذى وصححه وابن جرير وابن ابى حاتم ان رسول‏اللّه كان يقول فى صلاه الفجر:(اللهم العن فلانا وفلانا(172)...)، واخرج نصر بن مزاحم عن البراءبن عازب قال: اقبل ابو سفيان ومعه معاويه فقال رسول‏اللّه:(اللهم العن التابع والمتبوع، اللهم عليك بالاقيعس) فقال ابن البراء لابيه: من الاقيعس؟ قال: معاويه(173).

واخرج ابن مزاحم قال: فنظر رسول‏اللّه الى ابى سفيان، وهو راكب ومعاويه واخوه احدهما قائد والاخر سائق، فلما نظر اليهم رسول‏اللّه قال:(اللهم العن القائد والسائق والراكب) قلنا انت سمعت رسول اللّه؟ قال: نعم والا فعمتا اذناى كما عميتا عيناى(174).

وشاعت حقيقه ابى سفيان وبنيه بين الناس، وعرفها العامه والخاصه، قال الامام على فى خطبه له يوم صفين:(... وخلاف معاويه اياى الذى لم يجعل اللّه له سابقه فى الدين، ولا سلف صدق فى الاسلام، طليق ابن طليق، وحزب من الاحزاب، لم يزل للّه ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وابوه، حتى دخلا فى الاسلام كارهين مكرهين(175)، ومن خطبه ايضا خاطبا على مقاتله معاويه:(سيروا الى بقيه الاحزاب قتله المهاجرين والانصار)(176).

وقال مره:(انما تقاتلون الطلقاء وابناء الطلقاء، واولى الجفاء، ومن اسلم كرها وكان لرسول اللّه انف الاسلام كله حربا، اعداء اللّه والسنه والقرآن واهل الاحزاب والبدع والاحداث، ومن كانت بوائقه تتقى، وكان على الاسلام مخوفا)(177).

وخاطب الامام على معاويه قائلا:(وانت ابن حزب من الاحزاب، وابن اعدى قريش لرسول اللّه ولكتابه)(178).

وقال الامام على يوما لمعاويه:(منا النبى ومنكم المكذب)(179)، وقوله:(قرات كتاب الفاجرين الفاجر)(180)، وقوله:(يا ابن صخر يا ابن اللعين)(181)، وقول عمر بن الخطاب:(ابو سفيان عدو اللّه، قد امكن اللّه منه بغير عهد ولا عقد، فدعنى يا رسول‏اللّه اضرب عنقه)(182)، وقول عمر:(ان ابا سفيان لقديم الظلم)(183).

قال الامام على:(ليسوا باصحاب دين، ولا قرآن، انى اعرف بهم منكم حجتهم اطفالا وحجتهم رجالا، فكانوا شر اطفال وشر رجال)(184)، كتب معاويه الى ابى ايوب الانصارى فاخبر بذلك عليا، وقال له:(يا امير المومنين ان معاويه كهف المنافقين كتب الى بكتاب)(185).

وكتب قيس بن سعد بن عباده امير الخزرج مخاطبا معاويه(فانما انت وثن بن وثن، دخلت فى الاسلام كرها وخرجت منه طوعا، لم يقدم ايمانك ولم يحدث نفاقك)(186).

وكتب محمد بن ابى بكر الى معاويه(وانت اللعين ابن اللعين، ثم لم تزل انت وابوك تبغيان الغوائل لدين اللّه، وتجهدان على اطفاء نور اللّه، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه القبائل، على ذلك مات ابوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من ياوى ويلجا اليك من بقيه الاحزاب ورووس النفاق والشقاق لرسول اللّه)(187)...

وكتب له الامام السبط:(.. وانت ابن حزب من الاحزاب وابن اعدى قريش لرسول اللّه ولكتابه)(188).

ومن خطبه لابن عباس فى صفين:(ان ابن آكله الاكباد قد وجد من طغام اهل الشام اعوانا على على بن ابى طالب)(189).

قال الحسن بن على مخاطبا معاويه امام جمع من اصحابه:(انشدكم اللّه ايها الرهط اتعلمون ان الذى شتمتموه -يعنى عليا- منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وانت بهما كافر، تراها ضلاله وتعبد اللات والعزى غوايه؟، وانشدكم اللّه هل تعلمون انه بايع البيعتين كليهما بيعه الفتح وبيعه الرضوان، وانت يا معاويه باحداهما كافر وبالاخرى ناكث؟ وانشدكم اللّه هل تعلمون انه اولى الناس ايمانا، وانك يا معاويه واباك من المولفه قلوبهم، تسرون الكفر، وتظهرون الاسلام، وتستمالون بالاموال؟ وانشدكم اللّه الستم تعلمون انه كان صاحب رايه رسول‏اللّه يوم بدر، وان رايه المشركين كانت مع معاويه ومع ابيه، ثم لقيكم يوم احد ويوم الاحزاب ومعه رايه رسول‏اللّه، ومعك ومع ابيك رايه الشرك، وفى كل ذلك يفتح اللّه له، ويفج حجته، وينصر دعوته، ويصدق حيثه، ورسول اللّه فى تلك المواطن كلها عنى راض وعليك وعلى ابيك؟ وانشدك اللّه يا معاويه اتذكر يوم جاء ابوك على جمل احمر، وانت تسوقه واخوك عتبه هذا يقوده، فرآكم رسول‏اللّه فقال: اللهم العن الراكب والقائد والسائق؟، اتنسى يا معاويه الشعر الذى كتبته الى ابيك لما هم ان يسلم تنهاه عن ذلك؟ يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الذين ببدر اجموا فرقا خالى وعمى وعم الام ثالثهم وحنظل الخير قد اهدى لنا الارقا لا تركنن الى امر يكلفنا والراقصات به فى مكه الخرقا فالموت اهون من قول العداه له عاد ابن حرب عن العزى اذا فرقا واللّه لما اخفيت من امرك اكبر مما ابديت...

الى ان قال: وانتم ايها الرهط نشرفكم اللّه الا تعلمون ان رسول‏اللّه لعن ابا سفيان لا تستطيعون ردها(190)...

بمعنى ان خاصه المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون ان ابا سفيان هو قائد جبهه الشرك، وان اولاد ابى سفيان، وسادات بنى اميه كانوا اركان قياده طوال فتره المواجهه على صعيدى الدعوه والدوله الاسلاميه التى دامت 19 عاما، وانهم قد دخلوا فى الاسلام مكرهين حرصا على حياتهم، وفهمهم للاسلام، لم يكن قادرا على ان ينزع من نفوسهم الحقد الدفين على محمد وعلى آل محمد وعلى الاسلام، ورسول اللّه لم يومر بان يحاكم الناس على النوايا، واكتفى ببيان حقيقه ابى سفيان واولاده واركان جبهه الشرك للمسلمين ليحذروا منهم فيما بعد.

وقبل ان ينتقل الرسول الى جوار ربه، كانت بطون قريش وبقيه الاحزاب تتحرك بالخفاء وترتب اوراقها لتعديل الترتيبات الالهيه لمرحله ما بعد النبوه، بحيث تصرف الامر عن اهل بيت النبوه ويختص الهاشميون بالنبوه وحدها لا يشاركهم بها احد من البطون، وتختص البطون بالخلافه وحدها لا يشاركهم بها هاشمى، والطريقه المثلى لتحقيق ذلك هى:

1 - القبض على مقاليد الامور بالقوه والتغلب والاغتصاب.

2 - رفع شعار القرآن وحده يكفى تمهيدا لاخراج النصوص النبويه من الصراع، ولاخراج النبى من التاثير على سير الاحداث وهكذا كان، فما ان مرض النبى وادرك قاده البطون انه ميت من مرضه، حتى كشفوا عن حقيقه مخططهم، فما ان قال النبى قربوا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، حتى وقفت البطون وقفه رجل واحد، وقالوا للنبى نفسه لا حاجه لنا بكتابك حسبنا القرآن، انك مريض، وانك تهجر، وتمكنوا من الحيلوله بين النبى وبين كتابه ما اراد.

وقد وثقت هذه الحقائق ونظرتها علميا فى كتاب كامل يقع فى 800 صفحه اسمه الخطط السياسيه لتوحيد الامه الاسلاميه، وفى كتابى نظريه عداله الصحابه كشفت حقيقه الموامره(191).

بهذا المناخ تالق نجم ابى سفيان وولده وبنو اميه، لان الموامره لن تنجح بغير استقطاب كل المعادين لمحمد ولاهل بيت محمد، وابو سفيان واولاده وبنو اميه على قائمه المعادين فمن الطبيعى جدا ان تتم الاستعانه بهم، والاستفاده من خبراتهم فى معاداه النبى واهل بيت النبوه، ولا باس من اعطائهم بعض المكاسب.

عندما انتقل رسول‏اللّه الى الرفيق الاعلى، كان ابو سفيان يجمع الصدقات من بعض القبائل، فعاد ومعه الصدقات وعلم ابو سفيان ان ابا بكر بالتعاون مع عمر قد قبضا على مقاليد السلطه عمليا، وهما فى طريقهما لتصفيه المعارضه، فاراد ابو سفيان ان يحسن واقعه السياسى وان يحصل على مكاسب سياسيه فقال:(انى لارى عجاجه لا يطفئها الا الدم يا آل عبد مناف، فيم ابو بكر من اموركم! اين الاذلان على والعباس؟ ما بال هذا الامر فى اقل حى من قريش، ثم قال لعلى: ابسط يدك ابايعك فواللّه نصيحتك)(جلا)(21) فزجره على -لانه ونظامه عن طريق على مغلقه، وكانت السلطه متلهفه للتعاون مع ابى سفيان واولاده وبنى اميه ومع اى شخص يواليها بما فيهم المنافقون.

فقال عمر لابى بكر: ان هذا ابو سفيان قد قدم وهو فاعل شرا، وكان النبى يستالفه على الاسلام فدع له ما بيده من الصدقات، ففعل ابو بكر، وترك لابى سفيان ما جمعه من الصدقات(194).

وزياده بتعميق ولاء البيت الاموى للنظام الجديد الذى قبض على مقاليد الامور حتى قبل ان يدفن النبى، اقترح عمر على ابى بكر ان يعين يزيد بن ابى سفيان قائدا للجيش الزاحف الى بلاد الشام، وان يعين معاويه ابن ابى سفيان نائبا لاخيه يزيد، ولان ابا سفيان كان غائبا، ولم يكن يدرى ان الامويين قاطبه شركاء فعليين بالنظام الجديد، وان كافه بنى اميه من انصاره، وانهم قد رتبوا الامور بالتعاون مع الخليفه ومع نائبه ترتيبا محكما بحيث يكون ابو بكر هو الخليفه الاول، وعمر هو الخليفه الثانى، وعثمان هو الخليفه الثالث، بدليل ان عثمان بن عفان كان اول زعيم من زعماء المهاجرين قد بايع بدون تردد، وتبعه الامويين قاطبه فبايعوا بيعه رجل واحد(195)، وبدليل ان عثمان عندما كتب العهد لعمر قال:(انى قد وليت عليكم)، ثم اغمى عليه، فكتب عثمان: انى قد وليت عليكم عمر ولم آلكم خيرا ولما استفاق ابو بكر من اغماءته شكر لعثمان ذلك، وقال له: واللّه لو كتبت نفسك لكنت اهلا لها(196).

وكان عثمان يدعى بالرديف، والرديف بلسان العرب هو الرجل الذى ياتى بعد الرجل، وتقول العرب ذلك للرجل الذى يرجونه بعد زعيمهم(197).

وهذا كله لا يمكن ان يتم عفويا وبدون اتفاق مسبق، بين السلطه وبين الامويين، ولكن لان ابا سفيان كان غائبا، ولا يدرى حقيقه الامر تصرف بهذه الطريقه، ولما وقف على الحقيقه سعد وشكر السلطه، وعبر عن ذلك بقوله(وصلته رحم) وهكذا تاسست عمليا بذره الملك الاموى فيما بعد.

واتحدت ثانيه بطون قريش ضد البطن الهاشمى، والفرق ان بطون قريش عندما اتحدت ضد النبى، وضد بنى هاشم اتحدت وهى تعلن شركها، بينما اتحادها اليوم تم وهى تعلن اسلامها(198).

والخلاصه: ان ابا سفيان كان القائد العام لجبهه الشرك والعصيان، طوال فتره الدعوه النبويه التى استمرت 13 سنه منها ثلاث سنوات سريه وعشره علنيه، وكان هو القائد العام لجيش الشرك الذى حارب الرسول طوال 8 سنوات، ولما احيط به واسلم مكرها، لم يتوقف عن الكيد للنبى وآله، ولم يرتح للنتيجه الموقته التى آلت اليها اموره.

اركان قياده جبهه الشرك: قلنا ان رسول‏اللّه -صلى اللّه عليه وآله وسلم- كان القائد العام لجبهه الايمان، وكان له اركان قياده يساعدونه بقياده جبهه الايمان وقد عرفناهم بالقدر اللازم لبحثنا.

وتبين لنا ان ابا سفيان هو القائد العام لجبهه الشرك والعصيان، الذى ناصب رسول‏اللّه العداء طوال مرحلتى الدعوه الاسلاميه، وحاربه حربا حقيقيه طوال 4 - 5 سنوات، ولم يلق ابو سفيان سيفه حتى وجد نفسه محاصرا، فاستسلم واسلم لينجو بروحه، وبدا حربا ضد الاسلام ونبيه من نوع جديد.

من هم اركان قياده جبهه الشرك؟: كان ابو سفيان هو القائد العام لجبهه الشرك، وكانت عنده هيئه اركان تساعده فى قياده جبهه الشرك، وتتالف هيئه الاركان تلك من مجموعه من الشخصيات المشركه التى كان لها قدم راسخه بمعاداه الاسلام، ومحاربه نبيه طوال مده 18 عاما ولم تلق السلاح حتى استسلم قائدها ابو سفيان فاستسلمت معه، وابرز رجالات هيئه اركان الشرك هم:

1 - معاويه بن ابى سفيان، ويزيد بن ابى سفيان، وعتبه ابى سفيان، وحنظله بن ابى سفيان: وهم الحلقه الاولى من اركان قياده جبهه الشرك، وقفوا مع ابيهم وقفه رجل واحد طوال 18 عاما، وقاوموا رسول‏اللّه، وقاوموا دين الاسلام بكل وسائل المقاومه، وعندما حدثت الحرب حاربوا الرسول وحاربوا دينه بكل فنون الحرب، وبعد 18 عاما من المقاومه والعداء والحرب فوجى‏ء القائد -بجبهه الشرك- ابو سفيان، وفوجى‏ء اولاده بجند اللّه على مشارف مكه، فانهارت معنويات ابى سفيان واستسلم واضطر مكرها ان ينطق بالشهادتين، فغضب اولاده ولامه معاويه، وشجعه على عدم الاستسلام، وتعجب معاويه من ابيه كيف ينسى حنظله وينسى دمه الذى سفكه على ابن ابى طالب فى بدر(199)، وكيف يدين بدين محمد، ونظم ذلك شعرا مثيرا، ولكن ابا سفيان، كان اعقل من اولاده وابعد نظرا، فقد ادرك انه لا طاقه له بجند اللّه، وادرك ان الحرب مع محمد ومع الاسلام حرب طويله، وليست محصوره باسلوب او باسلوبين، وان الدنيا اكبر من اهلها، فمضى قدما باستسلامه، ولم يعبا بتقريع معاويه له، واضطر اولاده للاستسلام، واضطروا للنطق بالشهادتين، فعصموا دماءهم.

2 - عتبه بن ربيعه، وهو جد معاويه، وشيبه بن ربيعه وهو خال معاويه، والوليد بن عتبه وهو ابن خال معاويه، والعاص‏بن سعيد، وعقبه بن معيط وقد قتلوا فى بدر(200).

3 - والحكم بن العاص بن اميه بن عبد شمس، وكان من اكثر الناس عداوه لرسول‏اللّه خلال مرحلتى الدعوه، واشدهم حربا للّه خلال مرحله الدوله، ثم صار طليقا من الطلقاء، ولم يتوقف عن عدائه لرسول اللّه ولا عن كيده له، فنفاه رسول اللّه، وبقى منفيا طوال فتره حياه الرسول المباركه فى المدينه، فلما توفى النبى، راجع عثمان ابا بكر ليعيده، فرفض ابو بكر، ولما توفى ابو بكر راجع عثمان عمر ليعيده فرفض عمر، فلما تولى عثمان الخلافه اعاده معززا مكرما، واعطاه من بيت مال المسلمين ما حوله من الفقر المدقع الى الغنى الفاحش(201)، وكان الخليفه عثمان يحبه حبا شديدا بالرغم من كراهيه الحكم للرسول، وكراهيه الرسول له، وعندما مات الحكم اقام الخليفه عثمان على قبره فسطاطا على عاده اهل الجاهليه باظهار الحزن(202).

4 - وكان ابنه مروان بن الحكم بن العاص من اركان قياده الشرك، وقد قربه عثمان، واعطاه ابنته، وجعله رئيسا لوزرائه، وكاتما لاسراره، واعطاه خمس غنائم افريقيا(203) واعطاه فدك بالوقت التى منعوها عن صاحبه الحق فيها وهى فاطمه الزهراء ابنه محمد(204) وكان من اسباب قتل الخليفه عثمان، فيما بعد(205)، وهو الذى ساهم اعظم المساهمه بتكوين الملك، وصار فيما بعد خليفه المسلمين وملكهم، وصار اولاده من بعده خلفاء وملوك المسلمين، مع ان رسول‏اللّه قد لعنهم وحرم عليهم ان يسكنوا المدينه معه(206).

5 - الحارث بن الحكم بن العاص بن اميه بن عبد شمس: وهو ابن عم الخليفه عثمان واخو مروان، ويكفيه تعريفا انه ابن الحكم، واخ مروان الذين لم يتوقفوا عن معاداه رسول‏اللّه قط لا فى الجاهليه ولا فى الاسلام، ولقد حوله الخليفه عثمان من فقير معدم الى غنى مترف، واضفى عليه الشرف، فزوجه ابنته عائشه، واقطعه منطقه مهزوز(منطقه تصدق بها رسول‏اللّه على المسلمين) واعطاه مائه الف من بيت المال دفعه واحده(207).

6 - الوليد بن عقبه بن معيط: كان والده من اشد اعداء رسول‏اللّه خلال مرحله الدعوه، وقد قتل فى بدر صبرا، واستمر ابنه الوليد فى معاداه الاسلام، ومحاربه نبيه حتى اسلم كما اسلم غيره من الطلقاء، ونطق بالشهادتين، ومع هذا لم يتوقف يوما عن معاداه رسول‏اللّه ودينه، ومن حسن حظه انه كان اخ الخليفه عثمان لامه، فولاه عثمان ولايه الكوفه فيما بعد، وكان مشهورا فيما بعد بالزنا وشرب الخمر(208)، صلى الصبح اربعا بدلامن اثنتين وهو سكران وقصته مشهوره، وكان يقول هو ساجد: اشرب واسقنى(209)، واضطر الخليفه عثمان ان يقيم الحد عليه(210)، وقد لعب دورا بارزا فى تاسيس الملك الاموى وتثبيته.

7 - عبد اللّه بن سعد بن ابى سرح العامرى، كتب لرسول اللّه، وعرف الرسول ان الرجل خائن فطرده، فارتد عن الاسلام، واخذ يشيع بين اهل مكه، بانه كان يتلاعب بالقرآن، فانزل اللّه تعالى فيه: (ومن اظلم ممن افترى على اللّه كذبا او قال اوحى الى ولم يوح اليه شى‏ء ومن قال سانزل مثل ما انزل اللّه)(211) وبعد اباح الرسول دمه ولو تعلق باستار الكعبه، ولكن عثمان استامن له من النبى فامنه النبى فى النهايه(212) وهو ابن خاله عثمان(213) واخوه من الرضاعه(214) وقد لمع نجم الرجل فى خلافه عثمان، فاعطاه عثمان جميع ما افاء اللّه عليه من فتح افريقيه كلها دون ان يشرك فيه احدا من المسلمين، ثم ولاه على مصر بعد ان عزل عنها عمرو بن العاص(215)، وهو كغيره من بنى اميه من الطلقاء.

8 - عبد اللّه بن عامر بن كريز الاموى: وهو من المشهورين بعداوته للنبى، وهو طليق من الطلقاء، لكنه ابن خال عثمان وقد ولاه البصره، وعينه اميرا على فتوحات الشرق فلمع نجمه، وصار سيدا من سادات بنى اميه، الذين ساهموا باقامه الحكم الاموى وتثبيت اسسه، وزعزعه اركان الاسلام(216).

9 - ومن اركان قياده الشرك ابو جهل المخزومى، الذى كان ينافس ابا سفيان على قياده جبهه الشرك، ويشغل نفوذ بنى عبد مناف تفكيره، وقد قتل فى معركه بدر(217)، ومن اركان قياده الشرك الوليد بن المغيره، وهو والد خالد بن الوليد واحد المستهزئين(218)، وابنه خالد بن الوليد، وقد قاوم الوليد وابنه خالد الاسلام ونبى الاسلام بكل وسائل المقاومه خلال مرحله الدعوه، وبعد قيام الدوله الاسلاميه ونشوب معركه بدر، اشتعلت نيران الحقد فى قلوب بنى مخزوم على محمد وعلى آل محمد نتيجه قتل سادات بنى مخزوم، ولعب خالد فيما بعد دورا مميزا فى معركه احد، وقلب موازين القوى لصالح المشركين، وكانت كراهيته لاهل بيت محمد ظاهره، لذلك حالف ابا بكر وعمر، وساهم مساهمه فعاله بقيام دولتيهما، وصرف الامر عن اهل بيت محمد، وكان مستعدا ان يحرق بيت فاطمه بنت محمد على من فيه باعصاب هادئه، وهو يعلم ان فيه فاطمه بنت الرسول، وعلى ابن عم الرسول، والحسن والحسين ابناه، وصار فيما بعد قائدا عسكريا من اعظم القاده العسكريين لحكومتى ابى بكر وعمر رضى اللّه عنهما، يفعل ما يشاء، وكان بامكانه ان يقتل اصحابه، وان يتزوج زوجه المقتول منهم بنفس يوم وفاه زوجها وبدون عده دون ان يتعرض لاى لوم، لدوره الكبير فى تثبيت اركان تلك الحكومتين(219)، وعندما قاد معاويه جبهه العصيان ضد الامام على بن ابى طالب، وقف سادات بنى مخزوم، وعلى راسهم اولاد خالد بن الوليد مع معاويه لا حبا بمعاويه، ولكن كراهيه لعلى ولبنى هاشم، ولقد جزاهم معاويه بجزاء سنمار-فدس السم لابن خالد بن الوليد(220).

10 - عمرو بن العاص بن وائل، كان ابوه شانئا لرسول اللّه، وقد نعته اللّه بالابتر، قال الرازى: ان العاص‏بن وائل كان يقول ان محمدا ابتر لا ابن له(221) وامه ليلى بغى من اشهر بغايا مكه، وارخصهن اجره، واقعها سته رجال، ولما حملت ووضعت اخذ كل منهم يزعم بان المولود ابنه، فاقرت بمواقعه السته لها، وقالت: الحقوا المولود باكثرهم شبهه به، فالحقوه بالعاص بن وائل(222)، وعده الكلبى المتوفى سنه 206ه فى كتابه مثالب العرب: ممن يدين بسفاح الجاهليه، وعده ابو عبيده المتوفى سنه 209ه فى كتاب الانساب من الادعاء، واكد الزمخشرى ذلك فى كتابه ربيع الابرار(223)، وكذلك الحلبى فى سيرته(224)، وابن عساكر فى تاريخه(225)، واعلن والده العاص عداءه لرسول اللّه ووقوفه ضده.

تبنى الابن عمرو مواقف ابيه، وتطرف بكراهيته لرسول اللّه، ولاهل بيته، ولبنى هاشم.

ولان عمرو ذكى وطموح، لمع كواحد من اركان قياده جبهه الشرك، فقاوم الرسول خلال مرحله الدعوه كلها، وكان احد مبعوثى بطون قريش الى النجاشى، لرد المهاجرين الى الحبشه، طمعا بفتنتهم عن دينهم، واختياره مبعوثا، دليل عمق ولائه لقضيه البطون، واشترك مع بطون قريش فى كل المواقع التى حاربت تلك البطون فيها رسول‏اللّه، قال الحسن بن على بن ابى طالب (عليهم‏السلام) لعمرو بن العاص فى حضور معاويه:(لقد قاتلت يا عمرو رسول‏اللّه فى جميع المشاهد، وهجوته وآذيته فى مكه، وكدته كيدك كله، وكنت من اشهر الناس له تكذيبا وعداوه، ثم خرجت تريد النجاشى مع اصحاب السفينه، لتاتى بجعفر واصحابه الى مكه، فلما اخطات ما رجوت، ورجعك اللّه خائبا، واكذبك واشيا، جعلت حسدك على صاحبك عماره بن الوليد، فوشيت به الى النجاشى حسدا، لما ارتكب من حليلته، ففضحك اللّه وفضح صاحبك، فانت عدو بنى هاشم فى الجاهليه والاسلام، ثم انك تعلم وكل هولاء الرهط يعلمون انك هجوت رسول‏اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بسبعين بيتا من الشعر فقال رسول‏اللّه:(اللهم انى لا اقول الشعر، ولا ينبغى لى فيه، اللهم العنه بكل حرف الف لعنه فعليك اذا من اللّه ما لا يحصى من ‏للعن ويروى ان النجاشى قال لعمرو:(ويحك يا عمرو اطعنى واتبع محمدا)(226).

ولكن عمر تردد، ورصد مصالحه، ثم ادرك بدهائه وذكائه ان كفه محمد قد رجحت، وان محمدا سيغلب بطون قريش، وتستسلم تلك البطون عاجلا ام آجلا، وشاور عمرو معاويه، وبين لمعاويه ان مصلحته تقتضى الالتحاق بمحمد، فقال له معاويه:(يا ابا عبد اللّه انى لاكره لك ان تتحدث العرب عنك انك انما دخلت فى هذا الامر لغرض الدنيا)(227).

ولكن الرجل سار الى النبى ونطق بالشهادتين، وهو يحمل قناعات الشرك، وحسد البطون لبنى هاشم، وآثارا نفسيه عميقه لثارات ودماء سالت.

ومن الطبيعى ان النبى لا يحاسب على النوايا، وانه سيقبل ظاهره ويكل باطنه للّه، وانه سيشجع توجهه نحو الاسلام، ويدخل النبى عاصمه الشرك، ويستسلم ابو سفيان وابناوه ومعاويه منهم، ويلتقى الصديقان فى دائره الاسلام، ويخططان معا.

قال زيد بن ارقم:(غزا رسول‏اللّه غزوه، ومعه معاويه، وعمرو، فرآهما مجتمعين، فنظر اليهما نظرا شديدا ثم رآهما فى اليوم الثانى، واليوم الثالث، كل ذلك يديم النظر اليهما، فقال فى اليوم الثالث: اذا رايتم معاويه وعمرو بن العاص مجتمعين، ففرقوا بينهما، فانهما لن يجتمعا على خير)(228).

ولم يطل مقام النبى بعد نصر اللّه له والفتح، فمرض، واراد ان يلخص الموقف، فتصدى له عمر بن الخطاب كما يروى البخارى ومسلم وقال: عندنا كتاب اللّه، ولا حاجه لنا بكتاب آخر، وردد اعوانه من خلفه: القول ما قال عمر ان النبى يهجر(حاشا له)، ونجح عمر واتباعه بالحيلوله بين النبى، وبين كتابه ما اراد(229).

ومن المثير للدهشه حقا ان بنى اميه قاطبه، وعمرو بن العاص، وكل الطلقاء كانوا مع عمر ومع ابى بكر، وضد بنى هاشم، وضد الامام على، ومع مبدا الحيلوله بين ان يجمع الهاشميون مع النبوه الخلافه، وهكذا اتحدت البطون مره ثانيه ضد محمد، وضد بنى هاشم، ولكن هذه المره تحت مظله الاسلام.

اما المره الاولى فقد اتحدت البطون ضد محمد وضد بنى هاشم ولكن تحت مظله الشرك!!! وصار عمرو قائدا من قاده جيوش الخليفه، وتالق نجم الرجل، وتوطد سلطانه، وكثر ماله، وتربع على ولايه مصر طوال عهدى ابى بكر وعمر، وجاء عثمان وعزله بعد فتره من بدء خلافته.

وولى عبد اللّه بن ابى سرح مكانه، فنقم على عثمان واخذ يحرض على قتله، وبعد ان قتل عثمان وبويع الامام على، ادرك ان نجمه آفل لا محاله، وبعد مشاورات بينه، وبين معاويه، وبعد مساومات انتهت بان تكون: مصر لعمرو بن العاص، والخلافه لمعاويه(230)، ومضى الحليفان قدما، ونجحا بالخروج من الشرعيه، وبتفرق الخاصه وجهل العامه.

لما رفعت المصاحف على الرماح يوم صفين، قال على عليه السلام:(عباد اللّه انا احق من اجاب الى كتاب اللّه، ولكن معاويه، وعمرو بن العاص، وابن ابى معيط، وحبيب بن مسلمه، وابن ابى سرح، ليسوا باصحاب دين، ولا قرآن، انى اعرف بهم منكم، صحبتهم اطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر اطفال، وشر رجال.

وما رفعوها الا خدعه ومكيده)(231)، وبالايجاز كان عمرو بن العاص احد اركان قياده جبهه الشرك، واحد الذين اشربوا فى قلوبهم حسد وكراهيه محمد وبنى هاشم.

وبعد الحرب الدمويه، اضافوا للحسد والكراهيه، الحقد الدفين لمحمد ولال محمد.

وبعد ان رجحت كفه النبى، فى صراعه المرير مع بطون قريش، واغلقت كل الابواب الا باب الاسلام، اظهروا الخير للنبى، وبقيت مشاعرهم نحو آل محمد كما هى.

وقد صدق عمرو بن العاص عندما تمثل بهذا البيت وقد نبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي.



الفصل الخامس

مراحل المواجهه(232)



ربط الموضوع:

بدأت المواجهه الفعليه مع النبى وآله الاكرمين فور اعلانه -صلى اللّه عليه وآله وسلم- لبشائر النبوه، والرساله، والكتاب، وولايه العهد، وبالتحديد بعد ان انفض الاجتماع الذى عقد فى بيت النبى بناء على دعوه منه، والذى ضم بنى هاشم، حيث اعلن النبى فى هذا الاجتماع انباء النبوه والرساله والكتاب اعلانا خاصا لرهطه الاقربين، وحيث تم تعيين السيد الهاشمى على بن ابى طالب وليا لعهد النبى، اماما ومرجعا من بعده(233)، ولسريع ما شاعت وقائع هذا الاجتماع وانتشرت، وبعد ان احيط سكان مكه علما بوقائع هذا الاجتماع وتفصيلاته، انقسم المجتمع المكى الى قسمين متناقضين، او جبهتين متواجهتين: الجبهه الاولى: وتتالف من النبى والهاشميين وبنى عبد المطلب، وهى الاقل عددا ويتزعمها النبى محمد وعلى بن ابى طالب ولى عهده وابن عمه، ومن ابرز اركان هذه الجبهه اطلاقا عبد مناف بن عبد المطلب المكنى بابى طالب وهو عم الرسول وكافله(234) وجعفربن ابى طالب وهو ابن عم الرسول، وحمزه بن عبدالمطلب وهو عم الرسول ايضا.

وكانت بطون قريش تعتبر الذين اسلموا جزءا من هذه الجبهه.

الجبهه الثانيه: وتتالف من بطون قريش ال‏23(235) بقياده البطن، الاموى ويتزعم هذه الجبهه رسميا صخر بن حرب بن اميه المكنى بابى سفيان، ومن ابرز اركان قيادته اولاده معاويه ويزيد وحنظله وعتبه، وسادات بنى اميه كعتبه، وشيبه، والحكم بن العاص، ومروان بن الحكم بن العاص، وعقبه بن معيط، والوليد بن عقبه، والعاص‏بن وائل، وابنه عمرو بن العاص، وابو جهل المخزومى، والوليد بن المغيره والد خالد بن الوليد، وسادات بطون قريش ال‏23(236)، وهذه الجبهه هى الاكثر عددا وهى التى استطاعت ان تستقطب عطف العرب، وان تقاوم النبى ودينه واهل بيته طوال مرحله الدعوه العلنيه التى استمرت عشر سنين فى مكه، وجيشت الجيوش، وحاربت النبى واهل بيته ودينه بعد الهجره ثمانى سنوات، حربا حقيقيه، وفى كل المواقع، ولم ترم البطون سلاحها الا بعد ان احيط بها، وحصرت فى جزيره من الشرك، واغلقت بوجهها كل الابواب، ولم يبق امامها الا باب الاسلام فدخلته مكرهه.

مراحل المواجهه: مرت المواجهه بين هاتين الجبهتين بعده مراحل: المرحله الاولى: بدات هذه المرحله من اليوم الذى اعلن فيه النبى امام المجتمعين فى منزله من بنى هاشم انباء النبوه والرساله والكتاب، واختياره لولى عهده والامام من بعده، وامتدت الى اللحظه التى هاجر فيها رسول اللّه من مكه الى المدينه بعد نجاته من موامره البطون التى كانت تهدف لقتله قبل الهجره بقليل.

ومده هذه المرحله عشر سنين، بمعنى ان النبى عندما تلقى كلمه الوحى، كان يدعو الى ربه سرا من يغلب على ظنه استجابتهم لدعوته، وكان اتباعه يمارسون عبادتهم سرا، واستمرت المرحله السريه ثلاث سنين، وسمع الملا من بطون قريش شائعات، مفادها ان فتى عبد المطلب يكلم من السماء، وانتشرت هذه الشائعات بين سكان مكه، ولكن السكان لم يقطعوا الشك باليقين حول صحه هذه الشائعات او عدم صحتها، الا بعد صعوده -صلى اللّه عليه وآله وسلم- على الصفا واعلانه للنبا العظيم(237)، وبعد ان انتشرت وقائع اجتماع الهاشميين فى بيت النبى، واعلانه لبشائر النبوه والرساله والكتاب، واختياره على بن ابى طالب وليا لعهده، هنالك بالذات، بدات المرحله الاولى من المواجهه، وهى مرحله الدعوه العلنيه فى مكه والتى امتدت عشر سنين، مبتدئه بالاعلان عن النبا العظيم، ومنتهيه بنجاح النبى بالهجره من مكه الى المدينه(238).

وتتميز هذه المرحله بانها مواجهه مضغوطه، ونفسيه بطابعها العام، فقد فهمت بطون قريش ال‏23 جديه الموقف الهاشمى، وعزم الهاشميين على حمايه النبى ودعوته، وان الهاشميين سيقاتلون حتى آخر رجل منهم اذا ما قامت البطون بقتل محمد(239)، لذلك لجات البطون الى المفاوضات والاغراء(240) وحصار ومقاطعه بنى هاشم لتحملهم على التخلى عن محمد لتنفرد به وتقتله، وشنت على النبى وعلى دينه حملات اعلاميه منظمه، واستغلت البطون نفوذها الادبى عند العرب وصدت عن سبيل اللّه، ونفرتهم من رسوله(241)، وضيقت على الذين اتبعوه من ابناء البطون، وعذبت من لا بطون لهم تحميهم عذابا اليما(242)، وبذلت جهودها لارجاع الذين هاجروا الى الحبشه، لتفتنهم عن دينهم(243)، وفكرت جديا بقتل النبى سابقا ولكنها تخلت عن فكره قتله امام جديه الموقف الهاشمى(244).

ولما ايقنت باسلام جزء من اهل يثرب، ومن عزم النبى على الهجره، اتفقت بطون قريش على اختيار عدد متساو من رجالات البطون ليشتركوا بقتل النبى، وليضربوه ضربه رجل واحد، فيضيع دمه بين البطون، ولا يقوى الهاشميون على المطالبه بدمه، وشرعوا بالقتل فعلا ليله هجره النبى، ولكن اللّه نجى نبيه، وافشل مخططات وموامره البطون(245)، وبهذه الهجره انتهت المرحله الاولى من المواجهه.

المرحله الثانيه: بدات هذه المرحله من اليوم الذى نجا فيه النبى من موامره القتل، ومن وصوله الى المدينه المنوره، وامتدت هذه المرحله حتى صلح الحديبيه(246).

وفى هذه المرحله قويت جبهه الايمان باسلام من اسلم من الانصار، وكثر عدد الداخلين فى دين الاسلام، وتجمعت اكثريتهم فى بقعه جغرافيه واحده، صارت بمثابه اقليم للدوله الاسلاميه، وهى المدينه المنوره، وصارت للمسلمين دوله حقيقيه تراسها رسول اللّه بنفسه، وتولت هذه الدوله تنظيم وقياده المواجهات العسكريه التى جرت بين جبهه الايمان، وبين جبهه الشرك، وسيرت الدوله الاسلاميه العديد من السرايا العسكريه التى لم تعهدها جزيره العرب من قبل، ودخلت الدوله الاسلاميه الفتيه بحروب طاحنه مع بطون قريش(247)، وخلال هذه الفتره كانت البطون ترفض التفاوض مع النبى، وترفض الاعتراف بكيانه، وتستمر فى حملاتها الاعلاميه الفاجره ضده وضد الاسلام، وتحاربه بكل وسائل الحرب، مستعمله نفوذها الادبى عند العرب لصدهم عن الاسلام ونبيه.

وفى هذه المرحله ظهرت ظاهره النفاق، وتتمثل بالتظاهر بالاسلام، والقيام ظاهريا بكل ما يامر به الاسلام من صلاه وصيام وكلام، واخفاء الحقد على النبى واهل بيته، والكفر بدينه، وتربص الفرص لنقض كلمه الاسلام من اصولها، واصبح المنافقون قوه رهيبه، ولكن فاعليتها كانت ملجومه بوجود النبى، وقبول المسلمين بقيادته وولايته، كانت مشكله النفاق من اكبر المشكلات، ومن المدهش انه بعد موت النبى، اختفت كلمه النفاق، وتبخر المنافقون وكانهم كانوا ينتظرون موت النبى ليصلحوا انفسهم قبل ان يرتد اليك طرفك!!! وعلى الرغم من ان مشكله النفاق والمنافقين كانت عصيه على الحل، الا ان رسول اللّه قاد سفينه الاسلام بتلك الظروف بكفاءه لا مثيل لها.

ومهما انشغل النبى، فلن ينشغل عن مكه، ففيها بيت اللّه الحرام، القاسم المشترك بين قبائل العرب، ومع هذا فان المشركين حولوا مكه الى عاصمه للشرك، وقاعده لجبهه الشرك، يتم فيها التدبير والتخطيط للصد عن سبيل اللّه، وقد اكتوت بطون قريش بنار الحرب، وتعرضت طرق تجارتها للخطر، وهى لا تفكر اطلاقا بالاعتراف بمحمد واتباعه، او بالتفاوض معه.

فقرر صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد رويا مباركه ان يودى العمره ومعه عدد من اصحابه، وفوجئت بطون قريش بقدوم النبى واصحابه، وفوجئت بقرار العمره، واصرت على منع النبى من اداء العمره، ولكنها اضطرت ان تتفاوض معه لاول مره، وانتهت المفاوضات (بصلح الحديبيه)، ونتيجه هذه المعاهده اعترفت بطون قريش بمحمد وآله واتباعه، ولاول مره ككيان سياسى، يقف معها على قدم المساواه، واعترفت بحق هذا الكيان باستقطاب ما يشاء، وبالتحالف مع من يشاء، ورفعت حصارها الادبى عن العرب، واعلنت ولاول مره بان لقبائل العرب الحريه باختيار التحالف معها، او مع خصمها محمد، وقد اعتبر صلح الحديبيه هو الفتح الحقيقى المبين لمكه، وبدايه لتحالف جبهه الشرك المكونه من بطون قريش ال‏23 بقياده البطن الاموى، بالاضافه لما استاجرت تلك البطون من الاحابيش، وتم صلح الحديبيه فى السنه السادسه من الهجره النبويه(248).

وخلال هذه المرحله شهدت المواجهه الطويله بين محمد وآله، وبين بطون قريش حاله من الانفراج، واتيحت الفرصه للنبى لاقامه تحالفات مع بعض القبائل، وللدعوه السلميه المسلحه بالقوه والحجه الشرعيه والعقل والمنطق، وحوافز المصلحه العاجله والاجله.

كما اقيمت له الفرصه للقضاء نهائيا على الخطر اليهودى الذى لا يقل بشاعه عن خطر المشركين ففتح حصون خيبر(249) وغنم ما فيها، واصلح امور مجتمعه بما غنم، وسير بعض السرايا العسكريه الى القبائل المعانده والمتردده(250)، واوجد حاله من التماس مع الغساسنه اتباع الاكاسره(251)، ورتب الكثير من اموره الداخليه خلال فتره سريان معاهده الحديبيه.

المرحله الثالثه: بدات من فتح مكه بعد نقض معاهده الحديبيه فى السنه الثامنه للهجره، واستمرت حتى مرض الرسول مرضه الذى مات منه.

لم يرق طعم السلم لبطون قريش التى اتخذت من عداوه محمد وآله عقيده تدين بها، واكتشفت تلك البطون انها اوقعت نفسها بمطب قاتل، وعبدت الطريق امام من تعتبره عدوها وتصورت ان الامر لعبه، فنقضت تلك البطون معاهده الحديبيه(252)، عندئذ وجد النبى ان الفرصه مواتيه والظروف مهياه، فعزم على ان يفتح مكه، وان يعلن انهيار جبهه الشرك وهزيمتها الساحقه النهائيه، وان يجبر قائد هذه الجبهه واركان قيادته على الاستسلام، ولتحقيق هذه الاهداف جهز الرسول عشره آلاف مقاتل، ورتب اموره ليفتح مكه، ويحقق الاهداف التى رسمها بدون اراقه دماء، وهكذا كان وبفتح مكه انهارت عمليا جبهه الشرك، وحذف هذا المصطلح من الخارطه السياسيه نهائيا، واستسلم قائدها العام ابو سفيان مع اركان قيادته اولاده: معاويه ويزيد وعتبه، وسادات بنى اميه، وسادات البطون، وكان تصرف النبى مع المغلوبين، بحجم خلقه العظيم، فقال لقاده جبهه الشرك ولمن والاهم من سكان مكه: اذهبوا فانتم الطلقاء(253)، والتصق نعت الطلقاء بهم، ولم يقووا على التخلص منه حتى بعد ان نجح انقلابهم فيما بعد، وقبضوا على مقاليد الامور بالقوه والتغلب، وصاروا رسميا قاده المسلمين بقوه السلاح!!! وبفتح مكه تغيرت الخارطه السياسيه كليا، واصبحت الدوله الاسلاميه هى القوه الحقيقيه الوحيده فى بلاد العرب، وسمع كل العرب باستسلام قاده بطون قريش، وشعرت قبائل العرب انها صارت فى حل من مجامله البطون، وانه ليس هنالك ما يحول بينهما، وبين ادراك مصالحها، من خلال استسلامها، او اسلامها بعد ان بهرتها العبقريه المحمديه، وتوصلت الى قناعه عقليه مفادها (ان آلهه العرب جميعا آلهه زائفه، وان الاله الحقيقى هو اله محمد، والاقرب ان محمد رسول‏اللّه، وان مصالحها تقتضى القرب من الرجل، وان تستسلم له او تسلم معه، فاتجهت اليه كل القلوب بقوه الانبهار، وحوافز البحث عن الحلم المفقود.

واغتنم النبى الفرصه، واراد ان يصفى ما تبقى من اوكار الشرك، فاتجه الى حنين ومعه كثره كاثره من المسلمين سكرى بزهو النصر، وفاجاهم عدوهم فولوا مدبرين، ولكن النبى واهل بيته ثبتوا، حتى استعادت جموع المسلمين روعها، فكرت بعد فر والحقت الهزيمه بعدوها(254)، واتجهوا الى الطائف آخر معاقل الشرك، فتحصن بها اهلها فحاصرهم النبى، ثم قرر ان الطائف قد سقطت عمليا، وان اهلها اتوه يوما فتركها(225)، وقسم الغنائم بين الناس، وعاد الى المدينه المنوره، يغمره السرور بنصر اللّه والفتح، وما ان استقر قليلا حتى بدات الوفود تتقاطر عليه، معلنه استسلامها او اسلامها على يديه(256)، وخلال تلك الفتره كان النبى يتفقد ما بقى من جيوب الشرك، ويرسل سراياه وبعوثه ورسله، لتطهيرها وهدايه اهلها.

وارتاحت نفسه الشريفه وهو يرى ان بلاد العرب قد توحدت، ولاول مره فى التاريخ، وبكلفه بشريه لا تتجاوز اربعمائه قتيل، وبمده زمنيه لم تتجاوز تسع سنين واطمان قلبه الطاهر وهو يرى دين الاسلام قد اصبح دينا لكل سكان بلاد العرب، وصرح علنا بان الشيطان قد يئس من ان يعبد فى بلاد العرب.

لقد اقلقت هذه الانجازات الهائله مضاجع قاده الدولتين الاعظم آنذاك خاصه الاباطره، واشيع بان الروم قد حشدوا جيشا كبيرا، فاستنفر رسول‏اللّه المسلمين، وجهز حمله كبرى قوامها ثلاثين الف مقاتل معهم (15الف) بعير، وعشره آلاف فرس فى ظروف صعبه، وسار بهذا الجيش قرابه 500 كيلومتر ووصل الى تبوك(257)، واخضع دومه الجندل، ووطد سلطان الاسلام بهيبته، واحجم الروم عن ملاقاته بعد ان قذف اللّه فى قلوبهم الرعب، وحققت الغزوه اهدافها النفسيه، فضلا عن الكم الهائل من العبر والاسرار، فقد جمعت غزوه تبوك الاخيار والاشرار، وثبت للاخيار بان الذين اجرموا يحقدون على محمد وعلى آل محمد، وان النبى وآله لو فتحوا اقطار الدنيا، وملكوها للمجرمين، فلن يرضوا عن محمد وآل محمد، بالوقت الذى يتلفظ فيه اولئك المجرمون بالشهادتين ويدعون الاسلام!! واكبر دليل الايات القرآنيه النازله فى غزوه تبوك والتى فضحتهم، وموامرتهم الدنيئه على قتل النبى فى طريق عودته من تبوك(258)، والمثير للدهشه حقا، انهم بنفس الوقت الذى كانوا يعدون فيه موامره قتل النبى، كانوا يبنون مسجدا ويرجون من النبى ان يفتحه لهم تبركا به(259).

ولما قيل للنبى لم لا تقتلهم؟ قال الرسول: (انى اكره ان يقول الناس ان محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده فى قتل اصحابه).

فقيل: (يا رسول‏اللّه فهولاء ليسوا باصحاب) قال الرسول للسائل: (اليس يظهرون انه لا اله الا اللّه)؟ قال السائل: (بلى ولا شهاده لهم) قال النبى: (اليس يظهرون انى رسول‏اللّه؟) قال السائل: (بلى ولا شهاده لهم) ولم يستوعب السائل فقال النبى: (قد نهيت عن قتل اولئك)(260).

بمعنى ان هذا الصنف من المسلمين يتلفظ بالشهادتين، ويمارس كل الاعمال الظاهريه التى تدل ظاهريا على اسلامه، ولكنه بنواياه وبقلبه كافر بكل ذلك، ويخرج عن صلاحيه النبى ان يحاكم الناس على نواياهم وما فى قلوبهم!! ولكن النبى يكشف صفاتهم للمخلصين حتى يحذرهم -المسلمون- فلا يقعوا فى احابيلهم ولا ينخدعوا بمظاهرهم، لانهم هم العدو الحقيقى.

ولم يتوقف النبى فى هذه المرحله عن ترسيخ العقائد، وبيان الطريقه المثلى، لكشف المنافقين وعزلهم، بعد ان اصبحوا خطرا حقيقيا يتهدد الاسلام ومستقبله، وفى هذه المرحله حج النبى حجه الوداع(261)، وقال للناس: انها حجه الوداع، وانه لن يلقاهم ثانيه، وبعد انتهاء مراسم الحج وعوده الناس، جمعهم النبى فى مكان يدعى: غدير-خم ليس فى بلاد العرب مكان آخر يحمل هذا الاسم، واعلن امامهم ولايه الامام على، وامارته على المومنين، وتوجه بتاج الاماره، وطلب من الحاضرين ان يقدموا له التهانى بالاماره وهكذا كان(262).

وكان ابو بكر وعمر اول المهنئين(263)، وما ان استقر قليلا حتى امر بتجهيز بعث اسامه، وكلف ابو بكر وعمر ان يلتحقا بالبعث ولعن من يتخلف عن بعث اسامه(264).

ثم مرض مرضه الذى مات منه، وهو على فراش المرض اراد ان يلخص الموقف لامته ليجنبها شرور العواصف التى تتربص وتنتظر موت النبى حتى تنقض وتقتلع كل شى‏ء من جذوره، فقال لمن حوله: قربوا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، وما ان سمع عمر كلام رسول‏اللّه حتى قال: (حسبنا كتاب اللّه) بمعنى ان المسلمين ليسوا بحاجه الى كتاب رسول‏اللّه، لان القرآن عندهم، وما ان اتم عمر جوابه حتى قال رجال عمر بصوت واحد: القول ما قاله عمر.

ولما ابدى بعض الحضور استغرابهم قال رجال عمر: ان النبى قد هجر -حاشا له- وقال عمر: ان النبى قد هجر، وهكذا حالوا بين الرسول، وبين كتابه ما اراد، وصعدت الروح الطاهره الى بارئها وانتهت تلك المرحله(265).

المرحله الرابعه: وبدات منذ اللحظه التى حالوا فيها بين رسول‏اللّه وبين كتابه ما اراد وامتدت حتى قتل عثمان‏بن عفان الخليفه الثالث، ويبدو انه قد تم الاعداد الدقيق لصنع تاريخ هذه المرحله وبتروى اثناء حياه النبى، فقول النبى: (قربوا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده)، لا يستدعى نفور عمر ورده الفورى: (لا حاجه لنا بالكتاب حسبنا كتاب اللّه)، ولما ابدى بعض الحاضرين دهشتهم من رد عمر، قال اتباع عمر: (القول ما قاله عمر)، وامام وجود اصوات تطالب بان تتاح الفرصه لرسول‏اللّه ليكتب ما يريد قال اتباع عمر بصوت واحد ان النبى يهجر واكثروا اللغط(266)، ومن يجرو ان يقول فى حضره النبى انه هجر غير عمر، فلو لم يقل عمر اولا بهجر النبى، لما تجرء الذين معه على ترديد هذه الكلمه النابيه والقاسيه(267)، وباختصار من غير الممكن عقلا ان تلد هذه المقدمه مثل هذه النتيجه، وان يكون هذا التوافق بين عمر والذين تضامنوا معه وليد لحظته!! والظاهره الثانيه ان كل بطون قريش ال‏23 وقفت وقفه رجل واحد، وشكلت جبهه واحده بمواجهه اهل بيت النبوه وبنى هاشم، فمن غير الممكن عقلا ان تكون هذه الوقفه ثمره تصور آنى!!! وانت تلاحظ ان هذه البطون قد وقفت مجتمعه ضد النبى وحاربته وحاربت دينه وحاربت الهاشميين بكل وسائل الحرب طوال 18عاما، حتى احيط بها فسلمت او استسلمت ونطقت بالشهادتين كارهه، واليوم تدعى هذه البطون بانها الاولى بالاماره، لان محمدا من قريش!! اما رهطه بنى هاشم الذين حاربوا ووقفوا معه طوال حياته والذين قاطعتهم هذه البطون نفسها، وحاصرتهم بسبب موالاتهم لمحمد، فليس لهم من الامر شى‏ء(268).

والمدهش ان كل المنافقين وقفوا مع بطون قريش وقفه رجل واحد، وصاروا بقدره قادر من المومنين، وكانهم كانوا ينتظرون موت النبى حتى يهتدوا بيوم وفاته!! وقبضت البطون على مقاليد الامور، ووقع الخلاف بين الانصار، واكتشفوا بانهم امام تجمع قبض على مقاليد الامور، وتحول الى سلطه حقيقيه، فسلموا لينجوا بانفسهم وليحافظوا على حياتهم ومصالحهم، ومن يعارض فالموت الزووم ينتظره!! فلن يكون احد بعد النبى بوزن الامام على، فهو الولى بالنص، وهو الخليفه بالنص كما بينا وسنرى ومع هذا هدد بالقتل ان لم يبايع(269)، ولن يكون احد اعظم حرمه، واقرب للنبى من سيده نساء العالمين فاطمه وابنيها سيدا شباب اهل الجنه، وريحانتى النبى فى هذه الامه، ومع هذا وضع الحطب حول منزلهم وهددوا باحراق البيت عليهم وهم احياء ان لم يخرج نفر ممن لم يبايعوا(270).

كان ذلك فى اليوم الثانى لوفاه النبى!! فكان الامر ملخصا للناس (اما الموت او المبايعه والرضا بالامر الواقع، فاختار الناس المبايعه والقبول بالامر الواقع.

ومن جهه ثانيه فان الذين قبضوا على مقاليد الامور، وصاروا سلطه، قبضوا فى الوقت نفسه على موارد الارزاق ومنابع الثروه، وعلى قرار الجاه والنفوذ، فمن لم يبايع يحيا ذليلا ويموت جوعا، فصارت البيعه طريق خلاص، ومسلك حياه.

ووجد اهل بيت النبوه انفسهم وجها لوجه امام سلطه جمعت رغبه ورهبه، من خلفها امه تقف بمواجهتهم، فصار اهل بيت النبوه والقله ممن والاهم فى جهه، وصارت السلطه وجميع اوليائها فى جهه اخرى.

ومع هذا قاوم اهل بيت النبوه، واقاموا الحجه على خصومهم(271)، واعترف عدوهم بشرعيه حجتهم ومنطقيتها وعقلانيتها(272) وطاف الامام وزوجته وولداه على بيوت الانصار يسالون النصره، فاحتج الانصار بوقوع البيعه وتمنوا لو سبق الامام اليهم(273).

امام هذه المقاومه الضاريه اصدرت السلطه الحاكمه سلسله من القرارات الاقتصاديه، قصمت فيها ظهر اهل بيت النبوه وهى: 1- قرار حرمان اهل بيت النبوه من ميراث النبى(274).

2- قرار حرمان اهل بيت النبوه من منح النبى لهم ومصادره هذه المنح(275).

3- قرار حرمان اهل بيت النبوه من حقهم فى الخمس الوارد فى القرآن الكريم باى محكمه(276).

4- الزمت السلطه نفسها باعاله اهل بيت النبوه(277).

وكانت هذه القرارات الاليمه حاله فريده فى تاريخ المواجهه، ففى اقسى مرحله من مراحل المواجهه، قررت بطون قريش ان تحاصر النبى واهله بنى هاشم فى شعب ابى طالب، وان تقاطعهم فلا تبيع منهم ولا تشترى ولا تنكح منهم ولا تنكحهم، لكن بطون قريش المشركه آنذاك لم تتعرض لممتلكاتهم واموالهم، ولم تتدخل فى موضوع اعالتهم(278)، والفرق بين الحالتين ان بطون قريش كانت على الشرك عندما اتخذت قرارات المقاطعه والحصار، وبطون قريش وموسسوا هذه المرحله كانوا على الاسلام عندما اتخذوا قراراتهم الاقتصاديه بحق اهل بيت النبوه!!! واحتج اهل البيت، فتلطفت السلطه، وسمعت ظلامتهم، ولكنها اصرت، فاستسلم اهل بيت النبوه، حفاظا على شوكه الاسلام، ولكنهم لم يتركوا فرصه دون الاحتجاج بالنصوص الشرعيه التى اعطتهم مركز القياده، وبينت ان الهدى لا يدرك الا بالقرآن وبهم، وان الضلاله لا تتجنب الا بالقرآن وبهم(279).

وادركت السلطه خطوره سلاح الاحتجاج بالنصوص الشرعيه، خاصه السنه النبويه بفروعها الثلاثه: القول، والفعل، والتقرير، لذلك منعت كتابه وروايه احاديث رسول‏اللّه(280)، وقالت: ان القرآن وحده يكفى(281)، وعممت بانه لا ينبغى الركون الى كل ما قاله رسول‏اللّه، فرسول‏اللّه بشر يتكلم بالغضب والرضى (282)، والسلطه هى الاعلم بالحاله النفسيه التى صدر فيها القول عن رسول‏اللّه!! هل هو فى الغضب فتهمله او بالرضى فتعمل به!! ولتحقيق هذه الغايه اضطرت السلطه ان تستعين بالجميع بما فيهم المنافقين واعداء اللّه الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر والعصيان، لتكون الامه كلها فى جهه، واهل بيت النبى فى الجهه المواجهه لها!! فتظهره كانهم قد خرجوا عن الجماعه، وشقوا عصا الطاعه!! واكتشفت السلطه ان رسول‏اللّه قد لعن اعداء اللّه، وكشف حقيقتهم، وتعذر على السلطه ان تلغى نصوص اللعن، وتعذر عليها ان تستغنى عن اعداء اللّه ورسوله ليكون الحشد كاملا بمواجهه اهل البيت، فاشاعت بين الناس ان رسول‏اللّه كان يتكلم بالغضب والرضى فلا ينبغى ان يعمل كلامه(283)، وللتغطيه على الذين لعنهم رسول‏اللّه وكشف عداواتهم للّه ولرسوله، وهم الذين استعانت بهم السلطه وبواتهم ارفع المناصب -اشاعت السلطه بكل وسائل اعلانها ان الرسول كان يغضب ويفقد السيطره على نفسه، فيسب ويشتم ويلعن ويسيى‏ء لمن لا يستحق ذلك- فدعا اللّه تعالى ان يجعل كل ذلك زكاه وطهورا لمن صدرت منه هذه الاساءات بحقهم!!(284) وبهذا التاويل المرعب على صاحب الخلق العظيم، صار ابو سفيان ومعاويه ابنه وسادات بنى اميه الذين حاربوا النبى واهل بيته طوال 18عاما زاكين مطهرين(285)، وصار الحكم‏بن العاص وابنه مروان، وذريتهم وهم الذين لعنهم رسول‏اللّه، وحرم عليهم ان يساكنوه، صاروا بجره قلم، زكاه، طاهره نفوسهم، وبحكم هذا التاويل صاروا فيما بعد خلفاء وقاده للمسلمين(286).

وطمعا بتاليف القلوب حول السلطه، ولضمان وحدتهم بمواجهه مطالب اهل بيت النبوه اخذ قاده هذه المرحله ينفقون اموال بيت المسلمين كيفما اتفق، وبما يحقق غاياتهم، فوزعوا العطايا حسب منازل الناس عندهم، ووفق معاييرهم(287)، والغوا سنه المساواه بتوزيع العطايا التى اوجدها رسول‏اللّه(288)، وعندما قيل ان رسول‏اللّه قد وزع بالتساوى فلم تميزون؟ قالوا: رسول‏اللّه مجتهد، والخليفه مجتهد، فمن حق المجتهد ان لا ياخذ باجتهاد مجتهد آخر(289).

وهكذا نشات فى هذه المرحله الطبقات، ووجد الغنى الفاحش بجانب الفقر المدقع، وعاش اصحاب الملايين جنبا الى جنب مع مئات الالوف الذين كانوا يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء، ويطوون الليالى جياعا هم وذرياتهم(290)، ثم جيشوا الجيوش، وخرجوا لحرب العالم، ونشر دين الاسلام وتطبيق شرعيته ونشر عدالته بين الناس.

وخلعت وسائل الاعلام التى تملكها السلطه على موسسى هذه المرحله اثواب القداسه والعصمه، فصار عملهم وقولهم وتقريرهم سنه واجبه الاتباع تقرا مع ما تبقى من سنه الرسول، وصار لكل واحد من هولاء الموسسين سنه، واذا تعارضت سنه الموسسين مع سنه الرسول، تترك سنه الرسول ويعمل بسنه الموسسين من باب الاجتهاد(291) وتحت شعار تغير الاحكام بتغير الزمان(292).

فعلى سبيل المثال: اقنعت وسائل اعلام دوله الموسسين العامه: بان رسول قد خلى على الناس امرهم، ولم يعين خليفه من بعده ليختار الناس لانفسهم(293)، فكان الاولى بخليفه النبى ان يخلى على الناس امرهم اقتداء برسول‏اللّه ولكن سن الموسسون سنه خلاصتها ان الخليفه ينبغى ان يعين الخليفه الذى ياتى بعده وذلك لعده اسباب: اولا: الخليفه ينظر للناس حال حياته، وتبع ذلك ان ينظر لهم بعد وفاته، فمن هنا صار من حق الخليفه القائم ان يعين من يخلفه (يعهد اليه)(294) على حد تعابير ابن خلدون.

ثانيا: حتى لا تترك امه محمد هملا بلا راع على حد تعبير ام المومنين عائشه(295) او كالظان على حد تعبير معاويه(296) او خروجا من اللوم على حد تعبير عبداللّهبن عمر(297) وهكذا صار العهد سنه واقتنع العامه ان رسول‏اللّه لم يسنها انما سنها الخلفاء الراشدون(298).

ومثال آخر: ان الرسول كان يوزع العطايا بين الناس بالتساوى لان حاجات البشر الضروريه متشابهه فكل واحد من ابناء البشر بحاجه لماكل ومشرب وملبس ومركب ومنزل وزوجه وذريه... الخ.

فجاء الموسسون لهذه المرحله وقالوا ان هذه السنه ليست مناسبه، وان الافضل اعطاء الناس على حسب منازلهم، واخترعوا موازين لتلك المنازل(299).

مثال ثالث: ان اللّه قد جمع لال محمد النبوه والملك كما جمعها لال ابراهيم وجعل الصلاه على آل‏محمد جزءا من الصلوات المفروضه على العباد(300)، وارشد الخلق بان الهدى لا يدرك الا بالقرآن وباهل بيت محمد، وان الضلاله لا يمكن تجنبها الا بالاثنين معا كما هو ثابت بحديث الثقلين(301).

وجاء الموسسون فقالوا: انه ليس من العدل ان ياخذ آل‏محمد النبوه والملك، وان تحرم بقيه البطون من هذين الشرفين معا، والافضل برايهم ان ياخذ الهاشميون النبوه لا يشاركهم فيها احد من بطون قريش، وان تاخذ بقيه بطون قريش الملك او الخلافه لا يشاركهم فيها هاشمى قط(302) واقتنع العامه ان هذا الترتيب هو الاول بالاعمال.

وكضربه نهائيه وفنيه وللوقوف امام حديث الثقلين الذى نقلته الامه بالتواتر، ولابقاء حاله المواجهه بين الامه، وبين اهل بيت النبوه وجد مصطلح العشره المبشرين فى الجنه، ومصطلح النفر الذى مات رسول‏اللّه وهو عنهم راض(303)، ولما مات هولاء وجد مصطلح الصحابه العدول(304)، والعداله تشبه العصمه(305)، واشاعوا ان كل من راى النبى او سمعه ونطق بالشهادتين فهو صحابى معصوم من سبه او شتمه او نقده فهو زنديق لا تجوز الصلاه عليه، ولا يجوز دفنه فى مقابر المسلمين(306) وبعد موت الصحابه صار التابعون بمواجهه اهل البيت!! وبعد موت التابعين صار علماء المسلمين بمواجهه اهل البيت، وبهذه التدابير الذكيه الغوا عمليا مفاعيل حديث الثقلين، وصار وجود اهل البيت للتبرك ان لزموا الصمت، واعرضوا عن السياسه اما ان لوحوا بحقهم بقياده الامه، فهم باحثون عن الفتنه التى حرمها اللّه ودمهم حلال للحاكم الغالب.

وهكذا تم عمليا فى هذه المرحله وضع كافه الاسس التى نسفت النظام السياسى الاسلامى برمته، وتكون على انقاضه نظام سياسى بديل، مولف من اجتهادات الموسسين، وسوابقهم الدستوريه، والاعراف التى اوجدوها، ومن تنظيرات شيعتهم التى جعلت الموالاه لهولاء الموسسين الكرام، جزءا لا يتجزء من الموالاه للّه تعالى.

موسسوا هذه المرحله: يدين نظام الخلافه التاريخى الذى نشا بعيد وفاه النبى واستمر بصوره مختلفه حتى سقوط آخر سلاطين بنى عثمان بوجوده وتنظيراته المختلفه الى مجموعه من الرجال الموسسين العظام الذين ابلوا اعظم البلاء حتى اخرجوه بهذه الصيغه التى عرفناها واعظم اولئك الموسسين هم:

1 ـ عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه: الخليفه الراشد الثانى فهو الذى قاد مرحله التاسيس وتحمل اعباءها كامله فلولاه لما وجد نظام الخلافه التاريخى بصورته المعروفه، ولتغير وجه التاريخ الاسلامى تماما ولنحا منحى آخر فهو الذى تصدى للنبى وهو على فراش الموت حيث قال لمن حوله: (قربوا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا) عندئذ تصدى له عمر وقال: لا حاجه لنا بالكتاب، حسبنا كتاب اللّه(307)، وهو الذى حشد اعوانه لهذه المواجهه فما ان قال عمر: حسبنا كتاب اللّه حتى ردد اعوانه من خلفه: (القول ما قال عمر)، فوجد النبى نفسه امام تكتل حقيقى وقد فهم النبى ذلك.

ولما استغرب بعض الحاضرين هذا التصرف، وقالوا قربوا يكتب لكم رسول ‏اللّه!! قال عمر (رضى اللّه عنه): ان النبى يهجر(308) فردد اعوانه من خلفه استفهموه؟ انه يهجر وكثر اللغط والاختلاف(309) وفهم النبى مغزى المعارضه وادرك ان كتابه الكتاب بهذا المناخ لم تعد مجديه، فقال: (قوموا عنى)(310) وهكذا نجح عمر وبتكتله بالحيلوله بين النبى وبين كتابه ما اراد، فضاعت الى الابد فرصه تلخيص النبى للموقف.

وفيما بعد اعترف عمر ببعض الاسباب التى دفعته وحز به لهذا التصرف الرهيب(311)، فليس فى الدنيا احد يجرا على مواجهه النبى بهذه الصوره المرعبه غير عمر، وهكذا انكشفت هيبه الشرعيه، وهتك سترها فى حضره النبى نفسه، وانفتح امام الطلقاء باب الجراه على انتهاك الشرعيه، وفك عراها عروه بعد عروه وباعصاب هادئه.

وعمر نفسه الذى انبا الناس عما سمى فيما بعد باجتماع الانصار فى السقيفه(312)، وهو الذى قاد ابو بكر، وابا عبيده‏بن الجراح الى ذلك المكان، واستطاع بعبقريته ان يحوله من مجرد تجمع عند مريض وهو سعدبن عباده، وعواده الى اجتماع سياسى(313)، ثم حوله الى هيئه عامه تبايع الخليفه(314)، وهو الذى حشر اعوانه ورتبهم وحولهم الى جيش يزف الخليفه زفا ليواجه آل‏محمد بامر واقع(315)، ورتب قسما من اعوانه ليستقبلوا الخليفه الجديد بالترحاب ويقبلوا على بيعته(316).

فقد جمع عمر بطون قريش حول هذا الهدف، ونظر مبدا النبوه لبنى هاشم، والخلافه للبطون(317) هدد الامام على بالقتل ان لم يبايع(318)، وجمع الحطب واعوانه ليحرق بيت فاطمه على من فيه وفيه سيده نساء العالمين وسيدا شباب اهل الجنه الحسن والحسين(319).

كان وراء القرارات الاقتصاديه التى اتخذتها السلطه لتركيع اهل بيت محمد(320) وهو الذى عين ابا بكر اول خليفه، وليتحمل ظاهريا مسووليه مواجهه اهل بيت النبوه ولو شاء عمر لكان هو الخليفه الاول(321) وكان وراء وحده بطون قريش حول النظام الجديد ووراء تعيين يزيدبن ابى سفيان قائدا لجيش الشام ومعاويه خليفه ليزيد، وهو الذى مكن لمعاويه فى الارض، واعده ليكون الحارس الاحتياط‏ى للترتيبات الجديده(322).

ولما مات ابو بكر رضى اللّه عنه عهد بالخلافه لعمر، فورث دوله مستقره، واوجد كافه الترتيبات الضروريه للنظام الذى اراد(323).

ولما طعن عمر، وجلس على فراش الموت كما جلس رسول‏اللّه اوصى، وهو بهذه الحاله، بان الخليفه من بعده احد سته مات الرسول وهو راض عنهم(324)، وعمليا عهد بالخلافه لعثمان، لان عثمان موضع ثقه ابى بكر وعمر والثلاثه حلف واحد، ولا فرق بينهم فلو كتب عثمان لابى بكر: ان قد وليت عليكم عثمان، لما اعترض ابو بكر(325)، ولان عثمان كان يعرف بالرديف اى الرجل الذى ياتى بعد الرجل وليس فى الدنيا من هو احب الى الخليفتين من عثمان(326)، فهو عميد بنى اميه المعروفه بقوتها وحاجه النظام لها، والمعروفه بعداوتها لبنى هاشم(327)، ولكن الاعلان عن السته هو من باب رسم مدى الصراع مستقبلا، فعندما ينادى اهل البيت بحقهم بالقياده فى غياب عمر يتصدى لهم خمسه يمثلون بطون قريش، ويحولون بينهم وبين تحقيق حلمهم بالجمع بين النبوه والخلافه(328) عندئذ تطمئن روح عمر الطاهره ويومن الناس ضد اجحاف بنى هاشم(329).

وهكذا عهد عمر بالخلافه عمليا لعثمان بن عفان رضى اللّه عنه(330)، وبمده يسيره استطاع عثمان ان يجمع حوله كل اعداء رسول‏اللّه، فعمه الحكم‏بن العاص (طريد رسول‏اللّه) اعاده الى المدينه معززا مكرما، واعطاه مائه الف(331)، واتخذ ابنه مروان رئيسا لوزرائه، وزوج ابنته لابنه الاخر(332)، ولما مات عدو اللّه الحكم‏بن العاص ضرب عثمان فسطاطا على قبره امعانا بحزنه عليه.

واتخذ عبداللّهبن ابى سرح وزيرا له، وولاه مصر اعظم ولايات الدوله مع ان الرسول قد اباح دم عبداللّهبن ابى سرح ولو تعلق باستار الكعبه، حيث ارتد عن دينه، وافترى على اللّه الكذب، ونزلت فيه آيه: (ومن اظلم ممن افترى على اللّه الكذب)(333) ووسع ولايه معاويه واطلق يده، وقد لعن رسول‏اللّه معاويه ولعن اباه واخاه(334) واتخذ الوليدبن عقبه بن معيط العدو اللدود لرسول‏اللّه وزيرا وهو الفاسق بنص القرآن(335) وقرب الامويين ومن والاهم واغدق عليهم من العطايا ما يفوق التصور والتصديق، حتى صاروا طبقه متميزه بجاهها ومالها(336) وصارت مقاليد الامور فى ايديهم عمليا وليس لعثمان من الخلافه غير الاسم(337).

وصارت الدوله امويه بما للكلمه من معنى، فلا تجد مصرا الا وواليه امويا او موالى لبنى اميه، وضج الناس وثاروا على عثمان وقتلوه(338).

المرحله الخامسه: وبدات هذه المرحله بعد قتل عثمان وتولى الامام على بعد ان بايعه المهاجرون والانصار، ودانت له بلاد الاسلام الا ان معاويه ابن ابى سفيان والى بلاد الشام رفض مبايعه الامام على، وادعى انه مخول بالمطالبه بدم عثمان الاموى، ولكن السبب الحقيقى هو طلب الملك، واعمالا للمبدا الذى اوجده الموسسون بعدم جواز جمع الهاشميين للنبوه والملك(339).

ووقف معه كل الطلقاء، وجمع حوله كل قوى النفاق وطلاب الدنيا، وسخر موارد بلاد الشام التى ادخرها طوال عشرين عاما لهذه الغايه.

روع معاويه الناس، وخرج على الامام وحاربه ونشر الارهاب(340) وبعد مقتل الامام على بويع الحسن، وبغدر قاده جيشه به(341) وبتخلى وجوه العراق عنه، ولقله الناصر(342)، وابقاء على ما تبقى من الصحابه، وحقنا للدماء تنازل الحسن لمعاويه على ان تعود الخلافه بعد موته شورى او تعود للحسن(343)، الا ان معاويه دس السم للامام الحسن، ونقل الملك لابنه يزيد حتى لا تبقى امه محمد كالظان على حد تعبيره(344) ويزيد فاسق جاهر بكفره، استباح مدينه الرسول وقتل فيها عشره آلاف شخص بيوم واحد هو يوم (الحره)(345)، وختم اعناق وايدى ما تبقى من الصحابه امعانا باذلالهم، وارسل جيشا كبيرا لملاقاه الامام الحسين فى كربلاء مع ان عدد من كان مع الحسين لا يتجاوز 73-رجلا، الا انه امر بقتل الحسين، وبقتل شباب الذريه المباركه، وهندس مجزره كربلاء، واباد اهل بيت النبوه، ولم ينج منهم الا غلام مريض، واخذ نساء اهل البيت سبايا حفايا(346).

وعندما وضعت بين يديه رووس الضحايا اعلن بصراحه انه ينتقم من محمد ومن على لما فعلوه بالامويين يوم بدر، وبالتالى تلك ثارات لهم(347)، وجلل اعماله المخزيه بهدم الكعبه المشرفه، ولم يطل به الامر فهلك، وجاء من بعده ابنه معاويه الثانى، وكان فتى صالحا اعترف بذنوب ابيه وجده واعتزل الامر(348).

وانقض مروان‏بن الحكم‏بن العاص عدو اللّه ورسوله على الخلافه، وتغلب عليها بالقوه، ثم تناقلها اولاده من بعده.

وخلال فتره الحكم الاموى اوجدوا سنه لعن على‏بن ابى طالب واهل بيت النبوه على المنابر، وعمموا هذه على كافه بلاد المسلمين، فكان الخطباء يلعنون عليا واهل البيت فى كل خطبه ومستهل كل درس، وعمم الامويين على كافه حكامهم ورعاياهم: ان انظروا، فمن ثبتت موالاته لاهل بيت محمد فامحوا اسمه من ديوان العطاء، ولا تقبلوا له شهاده، وان استمر فاهدموا داره، واقتلوه(349).

ولوحق الذين يوالون اهل بيت النبوه، وذبحوا بغير رحمه(350)، وظلت هذه السنه متبعه حتى جاء عمربن عبدالعزيز فالغاها.

ونادى العباسيون بعداله قضيه اهل بيت النبوه، وعرضوا للناس ما لحق باهل البيت فاستقطبوا حولهم الناس، وتمكن العباسيون من القضاء على الحكم الاموى بالقوه، ومن التملك على رقاب الناس بالقوه تماما، كما فعل الذين من قبلهم، وبعد ان تحقق لهم ذلك، تنكروا لاهل بيت النبوه، ونكلوا بهم تنكيلا يفوق التنكيل الاموى(351)، ونكلوا بمن يواليهم او ينادى بحقهم بالحكم.

وضعف العباسيون، وانفرد كل والى بولايته، وظهر العثمانيون وبالقوه والتغلب قبضوا على مقاليد الامور، وحكموا لانهم غلبوا، وتابع العثمانيون سيره الذين من قبلهم فنكلوا بمن يذكر بحق اهل بيت النبوه بالقياده، وتوارث العثمانيون الخلافه كما توارثها الذين قبلهم حتى سقط آخر سلاطين بنى عثمان بالغزو الغربى، وبسقوطه سقط نظام الخلافه التاريخى.

لقد انقرض الصحابه، والتابعون، وسقط نظام الخلافه، وتداعى اهل النخوه من العلماء لاعاده نظام الخلافه التاريخى، والطريقه المثلى برايهم ان يستقطب هذا العالم او ذاك الناس حوله، حتى اذا انس من نفسه القوه انقض على الحكم القائم، واقام حكما بديلا له كما فعل الذين من قبله.

وظهر الوهابيون، وظهر الاخوان المسلمون، وظهر التحرير.. الخ.

ونسجوا على منوال اللذين قبلهم بتجاهل اهل بيت النبوه وتجاهل حديث الثقلين، والنصوص الشرعيه التى تعط‏ى اهل البيت الحق بقياده الامه وتوجيهها، ولان هذه الجماعات لا تملك السلطه، ولا القدره على التنكيل بمن يوالى اهل البيت اكتفت تلك الاحزاب بحملات التشهير، واختلاق الاكاذيب والقول بان شيعه اهل بيت النبوه كفره... الخ.



الفصل السادس

اشكال مواجهه بطون قريش للنبى وعترته واتباعه



اخذت مواجهه بطون قريش العدائيه للنبى ودينه وعترته واتباعه اشكالا متعدده: بدات بالسخريه والاستهزاء، وتكذيب النبى، ثم محاوله اغرائه، ثم ايذائه والطعن بشخصيته، واختلاق الاكاذيب عليه، ونشرها بين العرب، والتهديد بقتله، وفرض الحصار والمقاطعه على بنى هاشم الذين احتضنوه، والطعن بالقرآن الكريم وزعمهم بانه اساطير الاولين، وان عناصر اجنبيه تلقنه هذا القرآن، والطعن بمضامين الدعوه الاسلاميه والتشكيك بها، والشروع بقتله لمنعه من الهجره، وتخصيص الجوائز لمن يقبض عليه حيا او ميتا، والتضييق على اتباعه، ومنعهم من الهجره، ومحاوله اعاده الذين هاجروا منهم ليردوهم عن دينهم، وسومهم سوء العذاب لمن لا عشيره له، حتى مات بعضهم تحت التعذيب.

واخيرا جيشت بطون قريش الجيوش، وحاربت النبى ودينه فى بدر واحد والخندق..

وعندما هزمت البطون واضطرت الى الدخول فى الاسلام كارهه، اندست بين الصفوف وشكلت مركز تاثير، وبعد موت النبى قبضت على مقاليد الامور بدعوى ان محمدا رجل من قريش، وان البطون القريشيه اولى به لانه منها، وايضاحا للامور وتمهيدا لبسط الحقائق، سنفرد فقره خاصه بكل شكل من اشكال مواجهه بطون قريش العدائيه للنبى وعترته واتباعه المخلصين.