|
هل سئلت يوما وقلت ما ماعنى الكون ادخلو وانضرو
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة، وأتم التسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا بمعرفة العلم، وسهل أخلاقنا بالحلم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وبعد فهذا هو الدرس السادس والعشرون في سلسلة دروس العقيدة الإسلامية، ونحن قد وصلنا إلى قسم الكونيات.. بدأنا نتحدث في إلهيات.. ثم انتقلنا إلى النبوات.. ثم تجاوزنا الحديث عن النبوات إلى الحديث عن الكونيات، والحديث عن الكونيات يشمل كما عرفنا الحديث عن الإنسان أصله، وتكوينه، وهويته، وكيفية نشأته.. ثم الحديث عن الملائكة، وقد كان حديثنا في الأسبوع الماضي عن الملائكة، وكل ما ينبغي أن يعلمه الإنسان المسلم من هذه الخليقة.
الآن ننتقل إلى الحديث عن الجان، وما زلنا نتكلم في الكونيات، وأعود فأقول رب سائل يسأل.. نحن نتحدث في الكونيات، ولكننا لا نرى الجان.. فالمفروض أن الحديث عن الجان ينبغي أن يكون تابعا لقسم الغيبيات الذي سيأتي؟
قلنا في الأسبوع الماضي إن الغيبيات جمع غيبي، والأمر الغيبي هو: ما كان موجودا في الماضي السحيق، وقد انقطع وجوده الآن أو ما كان سيوجد في المستقبل البعيد، وهو لم يوجد الآن.. هذا هو الذي يسمى غيبيات.
أما ما كان موجودا الآن فهو داخل في الكونيات، ولا عبرة برؤيتنا أو عدم رؤيتنا له كثيرة هي الكونيات التي لا نراها.. فالجان خليقة موجودة الآن، ومن ثم فالحديث عن هذه الخليقة يدخل في قسم الكونيات.
الحديث عن الجان يتعلق بوجودهم، ويتعلق بالأصل الذي خلقهم الله -عز وجل- منه، يعني العنصر الذي خلقهم الله -عز وجل- منه، هذان الأمران هما اللذان يقتضي الإسلام أن نعرفه، ذلك؛ لأن القرآن تحدث عن ذلك ببيان قاطع واضح صريح.
أما ما وراء ذلك من صفاتهم، وأعراضهم، وكيفية حياتهم وما إلى ذلك، مما يطمع كثير من الناس بمعرفته منهم.. فذلك شيء لا يهمنا الوقوف عنده؛ لأن البيان الإلهي لم يوضح لنا ذلك ببيانات قاطعة واضحة صريحة، ونحن يجب أن نعتقد بكل ما جاءنا به الخبر الصادق عن طريق التواتر، وقد شرحنا معنى التواتر.. أما الأخبار التي وصلتنا عن طريق الآحاد أحاديث صحيحة.. لكنها ليست متواترة.. جاءت عن طريق الآحاد تورثنا هذه الأحاديث الظن، ولا تورثنا اليقين.. لا يجب على الإنسان المسلم أن يعتقد ما تتضمنه هذه الأخبار الآحاد.. يعني إذا لم يؤمن بها لا يؤثر ذلك على إسلامه، وإيمانه قط.
ليس معنى هذا الذي أقوله أن الأخبار الظنية أخبار الآحاد لا يجوز إقامة المعتقد عليها.. لا يجوز.. لكن لم يجبرنا الله -عز وجل- على ذلك.. يعني الباري -عز وجل- أمرنا أن نجزم بما جاءنا به الخبر الصريح الواضح القاطع المتواتر رحمة بنا.. لكن أخبار آحاد تورثنا الظن.. يجب أن نعتقد بها..
هذا في حرج الباري -عز وجل- قال سيان إن شئت فاعتقد، وهذا هو الاحتياط، وإن شئت فلا تعتقد بها.. فهذا لا يؤثر على إيمانك بالله سبحانه وتعالى.
إذا تعالوا نبدأ الحديث عن وجود هذه الخليقة..
أنبأنا الله -عز وجل- عن وجودهم بآيات كثيرة، وبعبارات صريحة لا تحتمل التأويل نهائيا.. مثلا يقول الله -عز وجل- { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} هذا إعلان من الله -عز وجل- بأنه خلق الجان كما خلق الإنس، وما خليقة الجن والإنس { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }..
الباري -عز وجل- يقول في مكان آخر لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} إلى آخر الآيات.
فالباري -عز وجل- يقول لرسوله لقد صرفت إليك نفرا من الجن، وأن تقرأ القرآن في الصلاة ليصفوا إلى هذا القرآن فيتأثروا به.. إذا هذه الخليقة موجودة الباري -عز وجل- يقول: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً{1} يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} إلى آخر سورة الجن.
الباري -عز وجل- يقول: { خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ{14} وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} إذا نصوص قاطعة صريحة في دلالته متواترة في وصولها إلينا.. تتضمن أن الله -عز وجل- قد أبدع، وأوجد خليقة.. نعم، من عالم المخلوقات اسمها الجان..
هل يسع المسلم الذي أمن بالله، وصدق بكتابه أن ينكر هذه الخليقة؟
إذا مستحيل؛ لأنه لو أنكر وجود هذه الخليقة فقد كذب كلام الله.. كأنه يقول: لا.. القرآن غير صادق في هذا ، القرآن كلامه غير صحيح.. نعم، وهذا يعني الكفر إذا هذا ما يدل على وجوب معرفة الإنسان المسلم أن الجان موجودون.
والدليل على ذلك كتاب الله -عز وجل- وكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة نعم، وصلت إلينا.
الشيء الثاني: هذه الخليقة ما هو العنصر الذي خلقت منه؟
عرفنا أن العنصر الأساسي الذي خلق الله -عز وجل- منه الإنسان التراب.. فما هو العنصر الذي خلق الله -عز وجل- منه الجان؟
الباري -عز وجل- أجاب قال: { وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}
ما المارج؟
اللهب الصافي عن الدخان.. اللهب الصافي.. الصافي عن الشوائب هذا يتحول عند الصفاء التام إلى اللون الفوق البنفسجي؛ لأن لا تراه العين.
هذا هو كلام الله -عز وجل- فلو أن إنسانا أراد أن يعتقد شيء آخر عن العنصر الذي نشأ منه الجان يكفر؛ لأنه كذب بكلام الله -سبحانه وتعالى- الباري يقول: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ{14} وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} يجب أن نعلم هذه الحقيقة لكي يتكامل إيماننا بكتاب الله، وبما يذكره لنا خطاب الله -سبحانه وتعالى-
هنا كثيرون هم الذين.. يعني يرغبون أن يعرفوا أمورا أخرى عن هذه الخليقة.. إذا ذكر الحديث عن الجان تجد أن الأسئلة تسابقت إلى أفواه الجالسين، وكأن المسألة نوع من التسلية.. ما هي صفاتهم؟
ما هو الطعام الذي يأكلونه؟
هل يتمثلون؟
هل يتشكلون؟
هل يمكن للجان أن يتلبث بكيان إنسان؟
هذه الأمور كلها نحن نتكلم في أمور العقيدة، لا يضيرنا أن نجهلها، ولا يسألنا ربنا عن شيء من ذلك قط يوم القيامة.
ولذلك فالسؤال في هذا الموضوع فضول، ولا داعي إليه بشكل من الأشكال، والمصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" يكفيك لكي يتكامل إيمانك أن تؤمن بإيجاد هذه الخليقة.. ثم أن تؤمن بالعنصر الذي خلق الله -عز وجل- منه هذه الخليقة.
الآن أيها الإخوة نفتح ملف الحديث عن أناس في عصرنا اليوم يتبجحون باسم العلم، وليت أنهم يتمتعون بشيء من العلم ، ومن ثم ينكرون وجود هذه الخليقة، ولعل كثيرا منهم يعانون من شعور بالنقص، الواحد منهم يشعر بأنه يعاني من نقص في ثقافته.. من نقص في دراياته العلمية.. يحاول أن يغطي نقصه.. هذا كيف يغطي نقصه هذا بأن يتبجح بألفاظ العلم، وبأن ينكر وجود هذه الخليقة، ويقول: أنا رجل علم.. أنا لا أصدق وجود الجان بشكل من الأشكال.. يخيل إليه أنه عندما يردد هذا الكلام في المجالس يوصف بأنه رجل علم رجل فكر، وهذا يترفع فوق الخرافات شعوره بالنقص يحمله على هذا الموقف، هذا الموقف ينبغي أن نعالجه، وينبغي أن نسلط الأضواء عليه، ما هو مصدر هذا التبجح الذي يصل بكثير من الناس إلى هذه الخرافة العلمية؟
يعني باسم العلم أصل هذا التبجح هو الانبهار الشديد بالأفكار الغربية الانبهار الشديد بالثقافات التي تأتينا من الغرب، وهذا أيضا سببه الشعور بالنقص.
فقرأ بعض هؤلاء الناس كلاما لبعض الأجانب مثل جيب، مستشرق بريطاني، يقول: جاء محمد -عليه الصلاة والسلام- والجزيرة العربية تعتنق قدرا كبيرا من الخرافات، والأساطير منها إيمان أهل الجزيرة العربية بوجود الغيلان.. بوجود الجان نحو ذلك، فجاء محمد -صلى الله عليه وسلم- وكان داهية ألبس هذه الخرافات التي كان أهل الجزيرة العربية يؤمنون بها ثوب الدين.. يعني أخرجها إخراجا دينيا نعم، وأوحى إليهم أن الإيمان بوجود هذه المخلوقات أمر يقتضيه الإيمان بالله..
هم يتصورون أن محمد يفتأت على الله، وأن القرآن كلامه، وأن محمدا جاء ليرسخ جذور الخرافات اللي كانت موجودة في الجزيرة العربية.. الإيمان بشيء اسمه الجن، والغلال ، وما إلى ذلك، في حين إنه لا في جان ولا غلال.
.......................................فاصل....... .............................
البعض من المسلمين لا أقول من غير المسلمين يتأثرون بهذه الأفكار الغربية، وعندهم شعور بالنقص.. يخيل إلى الواحد منهم أنه يستطيع أن يتدارك نقصه، ويسد هذا النقص بأن يردد ما يقوله، هؤلاء الغربيون.
نعم.. في كتاب لمستشرق الإنجليزي بين، اسمه بنية الفكر الديني، يقول فيه هذا الكلام، وبعدين فضح هذا الرجل.
الخلاصة له قصه لسنا بصددها، ويتنطعون، ويأتون بكلام ممزوج في الأذن، وعلى النفس أيضا نقول: طيب أنتم ترفعون فوقكم شعار العلم، وتتحدثون باسم العلم، ونحن نحاكمكم باسم العلم.. عندنا قاعدة علمية المفروض طلاب العلم يحفظوها، ويعرفوها فضلا عن الذين يتبجحون، ويصورون من أنفسهم أصحاب فكر علمي، وفلسفي، وما إلى ذلك قاعدة علمية تقول: عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود.
يعني عدم الرؤيا، عدم الوجدان.. يعني عدم رؤيتك لشيء ما ليس بالضرورة دليلا على أنه ليس موجودا؛ لأنه عدم الرؤيا أعم من أن يكون معدوما، هذا شيء.
ربما يكون الشيء موجودا، ولا تراه، ومن ثم فمن الخطأ أن تستدل على عدم الشيء بعدم رؤيتك له، ده خطأ كبير.
تقول: أنا بحثت، ونقبت، والتفت يمينا، وشمالا أبحث عن كذا، ما رأيت؛ لأنني ما رأيته إذا هو معدوم هل هذا الكلام سليم؟
عدم رؤيتك لشيء ما ليس بالضرورة دليلا على عدم وجوده.. كثيرة هي الأشياء التي تكون موجودة، ولكنك لا تراها، الآن سيرى أمامك.
يقودها سائقها أماما بعيدا عنك تبتعد.. ثم تبتعد.. ثم إن عينيك لا تستطيعان رؤيتها إذا ينبغي أن تقول: السيارة الآن معدومة.. في حين السيارة موجودة، وإن كنت لا تراها.
وكل عالم يعلم أن الكون مليء بجراثيم.. مليء بأشياء.. مليء بقوى.. بالطاقات موجودة.. لكننا لا نراها أعيننا خلقت لكي نرى بها ما لابد لنا من رؤيته لإقامة حياتنا.. الباري -عز وجل- جعل الطاقة التي تتمتع بها أعيننا مناسبة لمصالحنا أكثر من هيك.
العين ما ترى الآن.. لاحظوا المخلوقات الأخرى.. في مخلوقات رب عاطيها عيون أقوى من عيوننا.. أضعافا مضاعفة لماذا؟
لأن حياتها عيشها يقتضي ذلك.. الصقر يرى بعينيه أكثر بكثير مما يراه الإنسان؛ لأن عيشه يقتضي ذلك.. ما يستطيع أن يبحث عن رزقه إلا بعينين تخترقان المسافات البعيدة جدا جدا، الإنسان الباري -عز وجل- متعه بعينين فيهما قوة معينة متناسبة مع حاجاته العضوية أكثر من هيك ما بيشوف ما نقول لو كان هذا الشيء موجودا لرايته.. أما وإني لا أراه إذا هو غير موجود طيب.
شيء ثاني نقوله لهؤلاء السذج أو المغفلين الذين يداري الواحد منهم شعوره بالنقص في هذا الكلام نقول.. كما أنه لا يجوز الإيمان بوجود شيء ما إلا إذا ثبت الدليل العلمي على وجوده.. كذلك لا يجوز الإيمان بعدم وجود شيء ما إلا بعد أن يثبت الدليل على عدمه.
كلاهما يعني إيمانك بأن الشيء الفلاني موجود لابد أن يتوقف على دليل علمي على وجوده، ويقينك بأن هذا الشيء مفقود.. كذلك ينبغي أن يعتمد على دليل علمي ينطق بعدمه.. فإذا لم تجد الدليل على وجود هذا الشيء، ولم تجد الدليل أيضا على عدمه.. فتلك هي الحالة التي نسميها جهل، تلك التي نسميها الجهل.. أنا لا أملك الدليل على وجود أمر ما سئلت عنه.. كما أني لا أملك الدليل على عدمه. إذا أنا في أي حالة.. هل يجوز لي أن أجعل من جهالتي دليلا على أمر ما؟
أقول: والله أنا لا أعلم أن الجان موجودين.. ما عندي يعني دليل علمي على وجودهم، وكمان ما عندي دليل علمي على فقدهم..
عندك دليل علمي على فقدهم؟
لا.. إذا أنت جاهل.. أنت الآن عندما تقول: أعتقد أن الجان غير موجودين تجعل من جهلك دليلا على قرارك، والجان لا يمكن أن يكون دليلا على حقيقة بشكل من الأشكال، قد يقول أحدهم: وأين دليلكم العلمي على وجود هذه الخليقة؟
دليلنا العلمي هو التالي.
سبق أن آمنا بوجود الخالق أم لا؟
وبأدلة علمية قاطعة أم لا؟
أمضينا في الحديث عن وجود الخالق، والأدلة العلمية أكثر من شهر، وأمضينا في مناقشة أوهام الآخرين أكثر من شهر أيضا، واستقر لدينا أخيرا البرهان العلمي على وجود الخالق -سبحانه وتعالى- .
نتيجة لإيماننا العلمي بوجود الخالق كان علينا أن نؤمن بأن هذا القرآن إذا كلامه وبأن محمدا -صلى الله عليه وسلم- نبيه أليس كذلك؟
إيماننا بالله استلزم الإيمان بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- إيماننا بنبوة محمد استلزم إيماننا بأن القرآن يقول لنا: أنا خلقت الجان من صلصال كالفخار.. أنا خلقت خليقة اسمها الجان هذا دليل علمي.
لأن الأمور التي لا تراها عينيك، ولا تخضع للحواس سبيل إيمانك بها الخبر الصادق، الآتي من المصدر الموثوق به.. قلت لكم الجهاز ورد إلينا للتو من معمله للتو لا نعرفه بعد لم نمارسه بعد أي معلومة تريد أن تصل إليها فيما يتعلق بكيفية استعمال هذا الجهاز، والفائدة المرجوة من هذا الجهاز، وكيفية صيانة هذا الجهاز.. من أين تأخذه؟
من المعمل الذي أصدره.
أليس كذلك؟
ما عندك وسيلة أخرى؛ لأن هذا أمر لا تراه؛ ولذلك المؤمن، والملحد، والمدرك، والغير المدرك رأسا يرجع إلى هذا الكتلوج، ويدرسه، ومن ثم يعلم هذا الأمر كيف أن تؤمن بشيء ما شفته.. هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالرجوع إلى المصدر الذي أنتج هذا الجهاز.. من الذي أنتج خليقة الجن؟
الله.. من الذي أبدع هذه الخليقة؟ الله.. إذا نرجع إلى المبدع كلام واضح.
أعود فأقول أيها الإخوة..
المسألة من أولها إلى آخرها تقليد أعمى للفكر الغربي.. تقليد أعمى بكل معنى الكلمة للفكر الغربي.. الغربيون فيما يقرءون بهم.. نعم ينكرون وجود هذه الخليقة، وكما قلت لكم يقولون أن الجزيرة العربية كانت تعتمد خرافات كذا، وجاء محمد -صلى الله عليه وسلم- رسخ هذه الخرافات، وصبغها بالصبغة الدينية إلى آخر ما هنالك إذا ينبغي أن يسلكوا هذا المسلك.. لكن الشيء الغريب هو التالي.
الغرب فيما بعد.. يعني منذ سنوات انتشرت في ربوعه ظاهرة خرافية غريبة، وعجيبة لا عهد لا للجزيرة العربية، ولا غير الجزيرة العربية بها.. ما هي؟
هي خرافة تحضير الأرواح.. موضوع تحضير الأرواح الآن منتشر انتشار كبير في الغرب سواء الغرب الأوروبي أو الغرب الأمريكي.
ويزعم في مؤسسات صافية جمعيات تحضير الأرواح جمعيات كثيرة جدا، اسمها جمعية تحضير الأرواح الفلانية.. الفلانية النوع كذا.
يجتمعون ليحضروا روح مثلا نابليون يقولوا: والله إحنا حضرنا روح نابليون، وحكيناه، وحكانا إلى آخره، اجتمعوا ليحضروا روح مثلا أفلاطون أحد شخصيات السياسية العلمية الفلسفية إلى آخره، ننظر بهؤلاء المغفلين في بلادنا الذين يتبجحون بالعلم، والذين كانوا بالأمس القريب ينكرون وجود الجان على الرغم من أن القرآن يتحدث عنهم، ننظر إليهم، وإذا بهم يصفقون بهذه الخرافات التي ينادي بها الغربيون، ويؤمنون بها، ويقلدونهم في إيجاد جمعيات.
أيضا هنا عندنا من أجل التحضير للأرواح لاحظوا هذا التقليد الأعمى.. بل هو أذل من قولنا التقليد الأعمى.
أنتم من الأمس القريب كنتم تنكروا كلام الخالق -عز وجل- عم تنكروا وجود الجن، وحجتكم ما شفناهم.. ما العلم إن القاعدة بتقول: عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود.. عدم رؤيتك لهم لا يستلزم عدم وجودهم، واليوم انتقلت 180درجة من إنكار وجود الجن إلى الإيمان بتحضير الأرواح كيف هذا، وربما سألنا سائل طيب إيش يعني هذه خرافة ليش مفيش أرواح، وهل نحن ننكر تحضير الأرواح؟ لا.. الخرافة لا تكمن هنا.
أيها الإخوة مما لا شك فيه أن الكون مليء بأرواح لحيوانات لا نراها.. الكون مليء بأرواح الجان.. يعني وغير الجان أيضا، مليء لا شك فيه.. لكن أين تكمن الخرافة؟
......................................فاصل........ .............................
أين تكمن السذاجة المتناهية؟
أي ما يكمن واقع الفكر المغفلين.. أن يجتمع أناس فيفعلون ما يفعلونه.. يمسك الواحد منهم سلة يمسكها بطرفها، والثاني يمسكها بطرفها.. بيحط قلم بالنص يصير القلم يتحرك لحاله.. الخرافة تكمن في إنه يتصورون أنهم استطاعوا أن يحضروا روح فلان من الناس.. سألوه، وأجابهم.. سألوه، وأجابهم.. أين تكمن الخرافة في هذه؟
أن يصدقوا أن هذه الروح التي تكتب بهذا القلم أو التي تحدثهم هي فعلا روح نابليون أو هي فعلا روح الفارابي أو هي فعلا روح ابن رشد أو غيرها، ها هنا تكمن الخرافة كما أن في الناس دجالين ممخرقين يلتوون نعم، وتسلون بالضحك على أناس مثلا يتصلون بهم عن طريق الهاتف، ويغير أحدهم صوته، ويجعل من نفسه فلانا من الناس من أجل أن يضحك عليهم، في موجود هذا أم لا مليينين دول، كما أن هذا موجود في عالم الأمس.. هذا موجود أضعاف مضاعفة في عالم الجان.
ما الذي جعلك تصدق أن الذي يناجيك من قاع السلة مثلا أو من هذا القلم الذي يكتب؟
ما الذي جعلك تصدق إذا قال لك: أنا فلانا فعلا هو فلان هل وصل بك الغباء إلى هذه الدرجة؟
الشياطين موجودون يأتي هذا شيطان ليقول لك: لا في إله، ولا لأ.. أنا فلان.. أنا عشت أنا فلان، والله كم أظن أن فيه إله.. لكن أنا من بعد ما مت شفت الدنيا مو هيك، وكذا الشيطان حتى يغويك.. ها هنا تكمن الخرافة الغربيون اليوم.
أيها الإخوة يغرقون في شبر من الخرافات العجيبة.. لا تتصوروا أن الأفكار العلمية التي تعرفونها في الغرب، والتي تأتينا من الغرب إلينا لا تتصوروا أن هذا يعني أن الغربيين متحررون من الخرافات.. لا أكثرهم ضحايا للخرافة ضحايا للأوهام.. لكن هذا ليس غريبا في فراغ عندهم يقتضيهم أن يصبحوا ضحايا للخرافة.. إنما الأمر الغريب أن يكون هنالك مسلمون وقاهم الله -سبحانه وتعالى- من شر الوقوع في هذا الدجل، ومع ذلك بسبب عبادتهم للغربيين، وهي عبادة غير معلن عنها بسبب أنهم أصبحوا ظلالا شاحبة للغربيين يغمضون العين، ويسيرون وراء الأفكار الغربية أينما سارت.
كنتم بالأمس تنكرون وجود الجن شو اللي صار، وجعلكم تصدقوا تحضير الأرواح؟
نعم، في فترة من الفترات دعيت إلى مجلس.. فذهبت نظرت إذا بأقطاب هذا المجلس ممن أنشئوا فيما يعرف جمعية فيما بينهم بتحضير الأرواح تقليدا للأمر المعروف عند الغربيين تقليدا لذلك.
أنتم رجال علم، والمفروض أنكم وقاية هذا البلد في الثقافة من أين لكم أن هذا الذي يخاطبكم سماعا أو الذي يكتب بقلمه نعم على الورقة كما ترون من أين لكم؟ صدق ما يقول عن نفسه.. أنه فلان، ومن أين لكم سبيل التصديق بما يقوله عن عالم البرزخ كذا وكذا؟
ما أنتم جماعة علم.. إذا واحد فتح لك تليفون، وحاولت أنك تعرف مين يحاكيني، وقعد يتضحك عليك يخفي هويته عن نفسك ما راح تفهم أن هذا يتجنا عليك، ما تعرف أن هذا الإنسان ضحك عليك، كيف هذا؟
طبعا، الإنسان عندما تدركه اليقظة يعلم، ويدرك كل شيء، ولكن المصيبة أن في الناس من أصبحوا مستلبين فكريا، ومستلبين نفسيا للغربيين هذه هي المصيبة، ومن ثم نحن نعود فنقول: نحن رجال علم لولا أننا آمنا بالله، ولولا أننا من ثم آمنا بأن محمد رسول من عند الله، ولولا أننا آمنا بناء على ذلك أن القرآن الذي نتلوه الآن كتاب الله الواقع لوقفنا من الحديث عن هذه الخليقة موقف الجاهل.
شيء آخر: أرأيتم إلى شخص من هؤلاء الناس ربما يقف في جامعته أمام طلابه عندما تأتي مناسبة الحديث عن الجان، ونحو ذلك تجده يرفع رأسه عاليا، ويتبجح بأنه لا يؤمن بهذه الخرافات قط، ولا يؤمن بما يقوله العجائز، والنساء، والجان وما إلى ذلك، نعم بأنه رجل علم، يخيل إليك أنه فعلا رجل لا يصدق، ولكنني أقسم لو أنه صار في جنح الليل وسط مقبرة، ورأى ذيل هرة يترحك لقفز مرتعبا يمكن نصف متر، ولخيل إليه أن روحا شريرة قد ظهرت له.. أنا على يقين من هذا.. لكن هؤلاء يغطون أنفسهم يغطون أنفسهم كي لا تفوح رائحة الجهالة، والغباء من وجودهم، وقد ارتضى الواحد منهم لنفسه أن يكون كما قلت لكم ظلا شاحبا للثقافات الغربية، وللأفكار الغربية.. يعني هؤلاء يمكن أن نقول غدا إذا انتشر الإسلام في الغرب، وهيمن الإسلام في الغرب يمكن ساعتها يسلمون.. لكن مو للإسلام.. لكن تبعا للغربيين.
إذا هذه خلاصة ما ينبغي أن نعلمه عن وجود هذه الخليقة، وما قد بينه لنا الله -سبحانه وتعالى- عن أصلها ووجودها.
والعنصر الذي قد خلقت منه، طبعا الجان مثلنا فيهم مؤمن، وفيهم غير مؤمنين الباري -عز وجل- تحدث عنهم حديثا ضافيا في سورة الجان.
البحث الأخير وهو من أهم البحوث في الكونيات.. أهم بحث في الكونيات هو هذا البحث الأخير الذي وصلنا إليه الآن، وعنوانه: قانون السببية في الكون.
هذا بحث علمي، ومن ثم فهو بحث يجب على كل مسلم أن يعرفه بدقه، وكلما قلنا إن هنالك معتقدا يدعونا إلى معرفته كتاب الله.. فلنعلم أن سدى، ولحمة هذا الموضوع إنما هو العلم، ليس أمامنا مستند لحقيقة اعتقادية إلا العلم، وكتاب الله -عز وجل- عندما يحدثنا يأخذ بيدنا إلى ينبوع العلم قانون السببية في الكون ما هي عناصر هذا الموضوع؟
العناصر التي سنتناولها بالشرح هي أمور تالية.
أولا: استجلاء قانون السببية في الكون.. ندرس ما يسمى بقانون السببية في الكون.
ثانيا: نجيب عن سؤال يقول: كيف يتفق قانون السببية في الكون مع ما قد علمناه من أن هذا العالم من النوع الممكن؟ ممكن كان موجود قانون السببية يتعارض مع هذا الشيء خلينا نجاوب عليه.
ثالثا: ما هي الحكمة من أن الله أخضع كوننا هذا لقانون السببية.
رابعا : ما الذي يجب على المسلم اعتقاده بناء على ذلك.
هذه هي النقاط التي سندرسها دراسة علمية في هذا الصدد.
أولا: استجلاء قانون السببية في الكون.
أيها الإخوة إذا نظرنا إلى المخلوقات التي من حولنا.. نجد أن كل مخلوق من هذه المخلوقات يحتاج في وجوده إلى سبب سابق، وهو في الوقت ذاته سبب لوجود شيء لاحق، كل شيء، أي مثال أخطره على بالك تجده ثمره لسبب كونه سابق عليه هو الذي تسبب في وجوده، وهو في الوقت ذاته سبب في إيجاد سبب لاحق، ما في شيء يشذ عن هذا القانون أبدا مثلا هذه الأبخرة التي تتصاعد من البحار نتيجة البحار تسببت عن البحار، وهذه ا لأبخرة ذاتها في الوقت ذاته سبب لانعقاد السحب عظيم، إذا السحب جاءت نتيجة الأبخرة التي تعالت من البحار السحب في الوقت ذاته بشروط معينة، وبظروف معينة سبب لهطول الأمطار، إذا الأمطار تسببت عن السحب، وفي نفس الوقت المطر سبب لاخضرار الأرض، وظهور النباتات..
طيب النباتات بدورها سبب للغذاء إن كان للحيوانات أو للأناسي وهكذا، انظر إلى الهواء.. انظر إلى النبات.. انظر إلى الأغذية.. انظر إلى الأدوية.. انظر إلى الجراثيم.. انظر إلى حياة الإنسان.. ما من شيء إلا وهو محتاج في وجوده إلى سابق، ومؤثر في وجود شيء لاحق.
إحنا الآن نتحدث عن المكونات.. لكن عندما تتأمل في هذه الظاهرة، وتتعمق ما الذي ترى؟
ستجد كلما تعمقت تجد أن هذه الأسباب تتناقص.. تتعمق أكثر.. تجد أنها تتناقص بشكل مخروطي.. يعني تماما مثل الشجرة تنظر إلى حصتها الأعلى منها.. تجد نفسك أمام ربما مئات من الأغصان.. لكن ها تسير بنظرك إلى الأدنى ما بتلاقي إلا الأغصان عددها قل، تنزل كمان أكثر تلاقي عددها كمان أقل.. تنزل بتلاقي جذع واحد واضح.
كذلك عندما تنظر نظرة سطحية إلى المكونات تجد نفسك أمام ملايين مليارات الأسباب، والمسببات تعمق شوي تلاقيها ناقصت تعمق شوي تلاقيها كمان نقصت سر في التعمق المستمر تجد نفسك أخيرا أمام ما يشبه الجذع من الشجرة.. يعني تجد نفسك أمام مسبب الأسباب من هو؟ هو الله -عز وجل-
طيب هذه الظاهرة موجودة في الكون هذه الظاهرة تثير إشكالا؛ لأننا عندنا قاعدة فلسفية تقول: "إذا وجد السبب لابد أن يوجد المسبب" إذا وجدت العلة لابد أن توجد المعلومة، السبب والعلة بمعنى واحد تقريبا "
طيب ما دام الكون مليء بالأسباب معناته مسبباته حتما تنوجد، وإذا كان الأمر كذلك فهذا العالم وجوده ليس من قبيل الممكنات.. بل هو من قبيل الواجبات؛ لأن السبب إذا وجد لابد أن يوجد المسبب.
أنت تقول: إن السحب سبب لهطول الأمطار.. إذا وجدت السحب لابد أن توجد الأمطار، عم تقول المطر سبب للنبات إذا وجد الأمطار لابد أن توجد النباتات، طيب النار سبب للإحراق.. وجدت النار، وألقي فيها الهشيم إذا يجب أن يتحقق الإحراق ألا يتعارض هذا مع ما قلناه بأن المسبب الأوحد في الكون هو واحد.. الإشكال وارد ولا لأ؟
طيب ما الجواب عن هذا الإشكال؟
الجواب أيها الإخوة باختصار أقول: ونرجئ التفصيل إلى درس قادم.. هذا الإشكال وارد لو كنا نعني بالأسباب المصطلح الفلسفي للسبب والعلة.. لكننا لا نعني هنا المصطلح الفلسفي لمعنى السبب، وإنما نعني بكلمة السبب الاقتران الذي نراه بين سابق ولاحق، السابق طول اقترانه باللاحق سمناه سبب، واللاحق من طول وجوده بعده سمناه مسبب.
كيف هي، وما هو الدليل العلمي على هذا؟
هذا ما سنشرحه إن شاء الله تعالى في درس قادم.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. اللهم اجمعنا عليك، وفرقنا عليك، ولا تجعل حوائجنا إلا إليك.
اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور.. يا عزيز.. يا غفور.
اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا بلطفك.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، ومتعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا..
يا ذا الجلال والإكرام من أراد بالإسلام والمسلمين خيرا وفقه الله إلى كل خير، ومن أراد للإسلام والمسلمين شرا خذه الله أخذ عزيز مقتدر.
يا ذا الجلال والإكرام ربنا اغفر لنا، ولوالدينا، ولإخواننا الحاضرين، ولوالديهم، ولمشايخنا، ولأرباب الحقوق علينا، ولسائر المسلمين أجمعين.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب العالي القدر العظيم الجاهي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
آمين.. آمين.. آمين.
والحمد لله رب العالمين.
100 قراءة عودة |
|